تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
إن هذا الوصال لو تبدل بالهجران لقى عارف المحبة محرقة فكره يقابلها رجاء الوصال ، فإن قرب رجاء الوصال كان الإحراق أقل ، وإن بعد كان أكثر وأحر ، وإن انقطع الرجاء والعياذ باللّه احترق وهلك منها ولو دام هذا الوصال لانقطع دائما واختفى الحب وقلّ التلذذ . وهل يزول الحب بالكلية بدوام الوصال ؟ نقول : لا يزول لأن الحب إنما ينشأ من كون المحبوب على صفات جميلة لطيفة ، وكون المحب أهلا للمحبة ، فلا يبطل ما دامت الصفات جميلة حتى إن كان الحب لجمال الجارية مثلا لا يزول ما بقي الجمال أو زوال صفاتها الجسمانية أو ماتت ، فلو كان المحب خلق في الوصال الدائم لم يذق ذوق الفراق . وهل يكون له حب المحبوب ؟ قلنا : نعم ، لما عرف أن الحب إنما كان لكون المحبوب على صفات جميلة لطيفة وكون المحب أهلا للمحبة ، وكان ما كان تلك الصفات إلى أن يموت المحب ، أو ينسى المحبوب ، ويطول نسيانه بسبب الجنون ، والإغماء ، وأشباههما ، أو يجد المحبوب مثلا فيبدل الحب وهذا بالحب متصور في حب المخلوق ، أما في حب الخالق فلا ، وأما الذي خلق في الوصال الدائم يشق عليه دراية الحب ، حيث إنه حبه لا يحرق ، ولا يلتهب ، ولا يحمله على الطلب ؛ لأن جميع ذلك لا يكون مع الوصال الدائم قط ، وإنما يكون مع الفراق وهو لم يذق طعم الفراق غير أنه لو كان درّاكا الحب يمكنه إدراك الحب بأن يقدر الفراق وهما ، ويصور الهجران في فؤاده فيلتهب الحب عند ذلك من داخله فيمكنه أن يدركه بذلك الطريق كمن له محبوب في الشاهد نحو الولد والجارية والوصال بينهما يدوم كما يهوى فإنه لا يعلم أنه يحبه إلا بأن يقدر الفراق بموت محبوبه ، أو بفراره منه ، أو بأن يسرق منه ،