تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
فإن أمكنه ذلك وقدر في نفسه وخيل في باطنه يلتهب الآن حبه فيعلمه ضرورة فلو أن المريد في عالم التصوف وصل إلى الحقيقة المراد ودام وصاله مع الحقيقة هل يتصور له الزيادة في الحب حتى يصير شوقا ، وعشقا يحمله على الطلب شاء أم أبى ، أو لا يتصور ذلك ؟ قلنا : فيما وصل إليه فلا يتصور وفيما فوقه يتصور بيانه أن الحقيقة لا نهاية لها ، ولا غاية لعجائب صفاتها فما من منزل وصل إليه وتحصل له إلا وفيما وراءه ألطف من ذلك وأطيب منه ، وإن العارف كلما يقول في منزل لوقف على منزل فوقه المحب ، ذلك كأنه يراه من بعيد ، أو يسمع من صادق أن فوقه كذا ، وكذا فيرتقى في معاريجه دائما ، ويشاهد العجائب ويشتاق إلى ما لم يصل إليه ، غير أن ذلك الشوق ، والاشتياق لا يكون مؤذيا بل يكون لذيذا ، لأن أصل الوصال قائم ، وإنما يشتقاق إلى زيادة المزيد فلا يؤذيه الاشتياق ؛ ولأن رجاء الوصول إلى ما لم يصل محكم ، فلا يؤذيه الشوق هذه الجملة في إرادة العبد مولاه ومحبته إياه . فأما محبة اللّه تعالى لعبده فهي إرادة تخصيصه وتمييزه عن عموم عباده ، أو أكثر عباده بأياد مخصوصة أعنى بأيادي لا ينعم بمثلها على عامة عباده ، وإنما ينعم به الخواص وهم الأنبياء ، والأولياء وأدنى ذلك الأيادي في عالم الأجساد والكرامات الخارقة للعادة ، وأعلاها الوصال الدائم في عوالم الذات ، وبلعام بن باعوراء كان محبوب اللّه تعالى حين كرمه بكرامات لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأبغض اللّه تعالى ، ولو تقرر على ما كان فيه ، وأرسى قدمه لرفعه اللّه تعالى إلى أعلى العليين بمحبته ، وأوصله إلى الوصال الدائم ولا يتصور في محبة اللّه تعالى لعبده الشوق إليه ؛ لأن المحبوب لا يعزب عنه تعالى مثقال ذرة ويتصور الترجح فيكون هذا محبوب اللّه تعالى والآخر أحب منه عند اللّه تعالى وقد يحبه بعد أن لم