الإنكار جميعا فيقول كل ذلك حجاب لا بد من الوصول إلى المقصود ويمضي على ذلك مدة ويرتقى زمانا في تلوينات ، فإذا أطال ولم يصل بلغ إلى العاشر وهي العاشر في المقامات ، فيجحد الإنكار التاسع ويقول ذلك لم يكن في موضعه ولا وصول إلا بالعلم والمعرفة فيبقى في تلك الدرجة إلى أن يتفق له النفي والفناء فيدخل من عالم التلوينات إلى عالم الفناء ، وعن بعض المشايخ في هذا المعنى : أول مقام الوصل العلم ، ثم التحير ، ثم الدهشة ، ثم الفناء .
واعلم أن شرحنا معنى الفناء من قبل وهذا عالم عين الجمع وفيه التوحيد عندهم ، ثم يترتب عليه الفرق وأنه مقام في عالم النفي أعلى من الفناء السابق لأنه غرق في الفناء ثم الهلاك مقام أبلغ من الفرق هذا كمن شرع البحر وهو على الساحل بعد وقدمه يصل إلى ما يقله من الأرض ثم لما توسط البحر غرق ثم لو بقي ودام على هذا هلك ومات .
قوله : « وإذا وقعت النظر بكل ذي حجاب » يعني هذه الأحوال المتقدمة والتلوينات السابقة كلها حجاب الدار والباب عند الوصول ، وإن كان قبل الوصول وسائل تؤدي إليه ، واعلم أن هذا من حال الجنيد - رحمة اللّه عليه - أنه أخبر بذلك عن أحوال نفسه أنهم متفاوتون في التلوينات ، فمنهم من لا يخرج عن التلوين قط ، ومنهم من لا يرى التلوين قط من كان أقل تلوينا من ذلك ومنهم من كان أكثر فافهم إن شاء اللّه وحده .
قال الجنيد رحمة اللّه عليه : « الإثبات مكر ، والعلم بالإثبات مكر ، والحركات غدر ، والعلم بالحركات غدر والموجود من داخل غدر ومكر » قوله :
« الإثبات مكر » ظاهرة وهو ما ذكرنا في كلام الشبلي حيث قال : والإشارة مكر ، وقال : الإشارة تحير ، فيعني بالإثبات هنا ما عنى بالإشارة ثمة ، وهو أن يبلغ المريد
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 217
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص٢١٧