قال الجنيد - رحمة اللّه عليه : « إن اللّه تعالى أراد من العباد علمين معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وما سواهما فحظ أنفسهم » يعني أراد منهم معرفة علم العبودية والعبادة جميعا لأن العبودية وهي التذلل ، والتواضع ، والاتضاع للّه تعالى إنما يظهر في طاعته وانقياده في الأوامر والنواهي ، ومعرفة الربوبية : يعني به معرفة اللّه تعالى ذاته وصفاته .
قوله : « وما سواهما فحظ أنفسهم » يعني لا يبالي اللّه تعالى بما وراء ذلك من علوم العباد كان أو لم يكن ، فإنما ذاك مرادات أنفسهم .
قال ابن عطاء : « من علم أوقاته فاز ، ومن جهل أوقاته حار ، ومن علم أيامه هلك ، ومن جهل ترك » اعلم أن الأوقات جمع الوقت ، والوقت هو الزمان الذي من الزمانين أعنى من الماضي والمستقبل وهو الذي يسمونه حالا ، وفي اصطلاح هؤلاء المشايخ الوقت ما العبد فيه من أوصافه وأعماله الدينية والدنيوية
هامش
جميع علمها وعملها وأصولها وفروعها فرضها ومندوبها ، ليس بينهما مخالفة أصلا .
نعم هنا شيئان من العلم والعمل أحدهما : علم صفات القلب ، فأهل الحقيقة لهم به اعتناء واهتمام جدّا ، وسلوك طريقتهم موقوف على معرفته وتبديل صفاته الذميمة ، وأكثر أهل الشريعة مهملون ومتهاونون فيه مع كونه فرض عين في الشريعة والحقيقة بلا خلاف .
وأما القسم الثاني من قسمي علم الشريعة وهو الرخص ، فأهل الحقيقة من حيث العلم والاعتقاد لا يشكون بأن ذلك حق والعمل به جائز ، لطفا من اللّه تعالى بعباده ، ورحمة بهم في التخفيف ، ورفع الحرج عنهم .
وأما من حيث عملهم فلهم في العمل طريق في شواهق الحق على شوامخ جبال عزائم الشريعة الغراء ، يسلكون فيها إلى اللّه تعالى بتوفيقه وعنايته ، وجميل لطفه وصيانته وعرة العقاب صعبة الذهاب ، منهم من يقيم فيها سبعين سنة ، ومنهم من يقطعها بتوفيق اللّه في سنة ، وبعضهم في شهر ، وبعضهم في جمعة ، وبعضهم في يوم ، وبعضهم في ساعة ، على حسب معونة اللّه الكريم وتقدير حكمة العزيز العليم .
وانظر : السيوف الحداد ( ص 60 ) بتحقيقنا .