منها من العوائق ، والآفات ، ثم عمل المراقبة حتى علا إلى عليين من عالم الجبروت فوقوفه ثمّ وقوف بين الصفات بين الصفات والذات إذ لا شيء غير ذلك ، فانظر إلى الصفات وهي صفات الفعل نحو : الخالقية ، والرازقية ، والرحمانية ، والرحيمية ، وكذا صفات الذات ، وهي : العالمية ، والقادرية ، وما أشبه ذلك فيظهر بهذا النظر العبودية ، فإنه ما من صفة إلا وهي تشير إلى عالم العباد ، والعبودية ، والعرفاء إنما يعرفون عالم الخلق من عالم الخالق بهذا الطريق يعرفون الخالق أولا ثم يعرفون أن له خلقا آخر على عكس المتكلمين ؛ فإنهم يعرفون الخلق أولا ثم يستدلون بها على أن له خالق ، فإذا كان كذلك كان نظر العبد إلى الصفات يؤدى به إلى النظر في عالم العبد ، فإذا نظر إلى صفة كونه معبودا أدى به ذلك النظر إلى كون العبد عابدا ، وإذا نظر إلى كونه عابدا قوى بنفسه ورأى لنفسه قدرا وقدرة على عمل العبادة ، والقدرة من العبد هلاك العبد لأنه منتج الكبر ، والعجب ، والمرآة ، والفخر ، والأخيال .
قوله : « وإذا نظر إلى اللّه ظهرت الربوبية وغلبت » .
قوله : « غلب » تفسير قوله : « ظهرت الربوبية » أي غلبت وصارت العبودية مقهورة تحت الربوبية ؛ لأن العبد بالنظر إلى الرب ليس بشيء ، وهو من أهل النفي ، والفناء .
قوله : « والعبد عند الربّ » يعني عند ذلك كان العبد عند الرب غير بعيد ، ولا خارج ، فإذا نظر عند ذلك فلا يرى إلّا اللّه تعالى من قبل ، ومن بعد ، ومن فوق ، ومن تحت ، ويسمى ذلك مشاهدة ، وبهذا الكلام ظاهر غير خفي عند أهل المعاينة ، والمشاهدة ، وإنما يشكل على غيرهم أنه كيف يقوم العبد بين الصفات ، والذات ؟
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 188
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٨٨