تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥

فصل

اعلم أن هذا وإن كان اختلافا في التسمية لا في المسمى ؛ لكنا نحتاج إلى بيان أن ما قلناه أولى بيانه فهو عبارة لغوية معدولة بها للاصطلاح الصوفية ، فكل ما كان أشبه لوضع أهل اللغة كان أولى ، وما قلناه أشبه أن المكاشفة أدنى ؛ لأنه عبارة عن كشف الحجاب لم يحصل للمشايخ ، وكذا المعاينة لفوات معاني أخرى نحو فناء المشاهد ، وفهم الأنفاس وأمثالها إما لا يحصل المعاينة ، والمشاهدة بدون الكشف قط ولأن الكشف وسيلة إلى المعاينة ، والمشاهدة وهما مقصودان والوسيلة غير مرغوبة فيها ولا مطلوبة لعينها ولا محبوبة إلّا لأجل الموصلة إليه فكان أدنى ، وأما المشاهدة مع المعاينة ، والمشاهدة أدنى ، والمعاينة أعلى لأن المشاهدة من الشهود ، والحضور ، والمعاينة من الإدراك بالعين عين القلب ، أو الرأس وليس من ضرورة الحضور ، والشهود المعاينة ، ومن ضرورة المعاينة للشهود ؛ لأن الشاهد هو الذي يرى لا الغائب ، وأما ليس كل شاهد يرى ويعاين كمن مشى في السوق من أوله إلى آخره شهد جميع الأشياء التي في السوق ولم يرى إلّا قليلا ، ولأن المشاهدة شرط المعاينة ، ووسيلة إليها . والمعاينة هي المقصود الأعلى وهي الإدراك بالعين الباطن ، أو الظاهر ، والشهود مقرب مقوى للمعاينة وكانت المعاينة أقوى ، أو أعلى وأجل ، وأفضل هذا من حيث العرف ، واللفظ ، فأما من حيث استعمال الصوفية وتعارفهم فإنّا وجدنا عموم استعمالهم الكشف والمكاشفة فيما كشف للمريد السالك بالحواس الباطنة كلها ، أو بعضها شاهد بها ، ويرى المغيبات عن الحواس الظاهرة وهي ما يجرى في السماوات والأراضين ، وسائر الخلق ، وعالم الملكوت ، ولا يستعملون المشاهدة إلّا إذا كشف له عالم الجبروت يشاهد فيها ذات اللّه تعالى وصفاته - جل