تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قال ابن عطاء : « إن العبد قائم بين صفة الرب وبين الرب فإذا نظر إلى الصفات ظهر العبودية وقوى بنفسه فبان للعبد القدرة ، والقدرة من العبد هلاك العبد ، وإذا نظر إلى اللّه ظهرت الربوبية ، وغلبت فصارت العبودية مقهورة تحت الربوبية ، والعبد عند الرب ، فإذا نظر العبد فلا يرى اللّه إلّا تعالى من قبل ، ومن بعد ، ومن فوق ، ومن تحت فهذه تسمى المشاهدة ، فإذا نظر إلى الربوبية فلا تكون المشاهدة ، فكيف العبودية » يعني أن العبد إذا صفا وانسلخ عن الدنيا للآخرة وما منها من العوائق ، والآفات ، ثم عمل المراقبة حتى علا إلى عليين من عالم
هامش
يقول الجنيد : حقيقة المشاهدة وجود الحق مع فقدانك . في قوله تعالى :وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ[ البروج : 3 ] قال الجنيد : الشاهد الحق ، والمشهود الكون . في قوله تعالى :لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[ الكهف : 7 ] قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حسن العمل اتخاذ ذلك وعدم الاشتغال به . قال الجنيد : إن إبليس لم ينل مشاهدته في طاعته ، وآدم لم يفقد مشاهدته في معصيته . قيل لأبي القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه : إن أبا يزيد يسرف في الكلام . قال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شاني » . فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه ؛ لذهوله في الحق عن رؤيته إيّاه ، فلم يشهد إلا الحق تعالى ، فنعته ، فنطق به ، ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنّا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ، ولم يكن من شهوده إيّاه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا ! قيل للجنيد : هل عاينت أو شاهدت ؟ قال : لو عاينت تزندقت ، ولو شاهدت تحيّرت ، ولكن حيرة في تيه ، وتيه في حيرة . دخل إبليس على الجنيد في صورة نقيب ، وقال : أريد أن أخدمك بلا أجرة . فقال له الجنيد : افعل . فأقام يخدمه عشر سنين ، فلم يجد قلبه غافلا عن ربّه لحظة واحدة ، فطلب الانصراف ، وقال له : أنا إبليس ؛ فقال : عرفتك من أوّل ما دخلت ، وإنما استخدمتك عقوبة لك ؛ فإنه لا ثواب لأعمالك في الآخرة . فقال : ما رأيت قوتك يا جنيد . فقال له : اذهب يا ملعون ، أتريد أن تدخل عليّ الإعجاب بنفسي ؟ ثم خرج خاسئا . ومن كلام الجنيد رحمه اللّه : من شهد الحق تعالى لم ير الخلق .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 187 | محمد بن عبد الملك الديلمي / محمد مصطفى القادرى السيلانى