خاطر فيه ، « وضمنت العبودية بالوفاء فلم يألف » أي لا يتم العبودية بالوفاء الكامل لضرورة أن العبد يعجز عن الوفاء بها لما في سره وقلبه من الغلبة عليه ، « ويضمن الربوبية بالعطف فيألف » أي فيضمن الرب بالعطف فيألف ، ولا يعجز عن الوفاء فيصير العبد عند ذلك « مضطر » أي مسلوب الاختيار « من طريق النفي » أي من طريق ما رأى من العجز عن الفناء بالعبادة و « فقيرا من طريق البقاء » أي محتاجا من حيث أنه باق صورة وإن فنى معنى ، و « وجلا من طريق المجازاة » يعني صار وجلا خائفا من حيث الجزاء ، والمؤاخذة على ترك الوفاء بالعبودية ، فيظهر عنده الحالات الثلاثة أعني عند : الاضطرار ، والفقر ، والوجل جميعا ، أو يظهر عند الخفيات وهي جمع ، الخفي يظهر عند ذلك من علم الربوبية لمحة وأنموذجة فيسمى ذلك الظهور مكاشفة ، فافهم جدّا .
وهذا الكلام دليل على أن المكاشفة عنده أبلغ من المعاينة والمشاهدة ، حيث أنه آخرها عن المعاينة والمشاهدة بين المشاهدة في الفصل الأول ، ثم المعاين في الفصل الثاني ، ثم المكاشفة في الفصل الأخير ويحتمل أنه قدم الأعلى وهو المعاينة ، ووسط الوسط وهو المشاهدة وأخر الأدنى وهو المكاشفة ، بدأ بالأعلى وختم بالأدنى ، ويحتمل أنه قد ذكر المكاشفة وأخّر ذكر المعاينة ، وخلط الكاتب ، وهذا هو الذي نقول به ؛ لأنه لم يشترك نفي الكل للمكاشفة مثل ما شرط في المعاينة والمشاهدة فدل على أن المكاشفة أدنى من المعاينة ، فافهم إن شاء اللّه وحده .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 184
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٨٤