وقال أيضا : « إن مذهب التصوف لا يخلو من المكر وفيه أظهر وهم يعلمون لأنهم أكيس الناس به » يعني به أن الصوفي وإن نبذ الدنيا والآخرة ، ورمى نفسه وصفاتها الخبائث وتوجه إلى الحق تعالى مع ذلك لا يخلو عن المكر وأنواع الآفات كما شرحنا من قبل .
قوله : « وهم يعلمون أنهم أكيس الناس به » يعني أن الصوفي البالغ أعلم الناس بالمكر والآفات لأن ذلك من شأنه وحرفته بخلاف المريد المبتدئ فإنه لا بد له من بصير عليه يخبره بآفاته .
وقال النوري : « المكر لا يفهم صاحب الوصل والمريد لا يدرى ما المكر لأنه له شوق وحرق » يعني من وصل إلى المقصود لا يعلم المكر أي : لا يراه ؛ لأن المنكر في الطريق غير أن هذا مجمل وشرحه أنه لا يفهم المكر فيها خلفه من الطريق ، أما فيما يرتقى في المستقبل دائما لا يأمن المكر لأن كل واصل إلى عالم الحقيقة وما فوقها لا بد له من الارتقاء أبدا ومن وقف فقد انقطع مما فوقه ، كما أشرنا إليه من قبل .
قوله : « والمريد لا يدري ما المكر » يعني به قبل التعلم من الشيخ لا يدرى ماهية المكر ، ويحتمل أنه أراد المحب فإن المحب لا يضره شيء من « المكر ، لأن حبه يحرقه فلا يتوقف بشيء من الآفات فافهم .
قال وريم رحمه اللّه : « المكر غذاؤنا ، وهو غواؤنا » إنما أراد بذلك المكر كل الالتفات إلى الدنيا ، والعقبى ، والنفس ، والحاجات
قوله : « غذاؤنا » أي : زادنا ، ومعيننا ، ومقوينا ، إذ لولا ذلك لما عشنا في
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 169
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٦٩