تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
« خوف القطع دائم » غير أن الجنيد أراد من كلامه أمرا زائدا وهو أن الخوف من « المكر أدوم من الخوف من القطع » ، وأن الشبلي أراد بكلامه أمرا زائدا وهو أن الخوفين كليهما لقضاء اللّه تعالى قدره وإرادته وحكمه . وقال النوري : « الخوف من الوصل أشد من الخوف من المكر » وإنما أراد بالخوف من الوصل خوف وقوع سوء الأدب منه في الحضرة ، وذاك من الآفات العظام كذلك الخوف من الدهشة ، والصعقة عند مشاهدة العظمة ؛ فإن ذلك مهلك إلّا الأقوياء ولهذا خر موسى صعقا مع قوة النبوة ، وربما يموت المريد عند المشاهدة . وقال ابن عطاء رحمه اللّه : « للكل خوف واحد وللبالغ ثلاثة : خوف مكر ، وخوف وصل ، وخوف قطع » يعني لكل منقطع غير سالك خوف واحد وهو خوف السلوك أنه لو سلك هل يطيق تحمل مشاق الطريق ، أم لا ؟ إذ هو أجنبي لا يدري ما في الطريق من الآفات ، والبالغ هو البالغ إلى باب المحبوب وقد قرب من الوصل فله خوف اللقاء ، والدهشة عند الوصال ، وخوف القطع والفراق بعد الوصال كما قال :
وما في الدهر أشقى من فحب * وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكيا في كل حين * مخافة فرقة أو لاشتياق
والثالث : خوف المكر قبل الوصول وبعد الوصول
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ النحل : 50 ] قال الجنيد - قدس اللّه سره : « المعرفة مكر اللّه » اعلم أن المعرفة عندهم درجة فوق الإيمان ، وأن الإيمان عن الغيب والمعرفة عن المشاهدة لكنها إذ هي منزلة في عالم الإحسان وهي عالم مشاهدة الحقيقة ، ثم هي مكر عظيم في اصطلاحهم ، بسبب أن أكثر ما يتوقف المريد هاهنا ، ولا يصعد إلى
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 172 | محمد بن عبد الملك الديلمي / محمد مصطفى القادرى السيلانى