الأحياء ، ولا قدرنا على الارتقاء ، وهذا كما قال رويم في الباب السابق : « اللحظة راحة ، والخطرة إمارة ، والإشارة بشارة » وقد مرّ شرحها ، ثم هكذا أراد بقوله هنا المكر غذاؤنا فافهم .
قال الجنيد - قدس اللّه سره : « خوف من القطع دائم بعد الوجود ، وخوف من المكر فرض دائم إلى الأبد ، وما أمن المكر إلّا الهلّاك » يعني أن الانقطاع من المقصود متصور دائما بعد الوصول ولا بد من الانقطاع ؛ لأن ملائكة اللّه تعالى
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« [ النحل : 50 ] ولكن هذا ما دام المريد في الدنيا أما في الآخرة ، فإن تصور الانقطاع لكنه مأمون أبدا من الخوف ، ومن كل مكروه ينادي به بوعد اللّه الحكيم تعالى وعدا صدقا .
قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 » إلى قوله :
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ
[ الأنبياء : 102 ] .
وقال تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ
[ الزخرف : 70 ] إلى قوله تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
[ 71 ] .
وقوله تعالى :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
[ الواقعة : 25 ، 26 ] .
قوله : « وخوف من المكر دائما أبدا » يعني الخوف من المكر يكون في الدنيا ، والآخرة أبدا لا يأمن من مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون ، لأن المكر من النعم وليس بعذاب من اللّه بخلاف القطع ، وإن المكر ليس إلّا أن يشتغل بنعمة اللّه عن نعمة أعظم منها ساعة ، أو ساعتين ، أو أكثر ، وذلك لا يبعد في الآخرة للأنبياء ، والأولياء ، وغيرهم من أهل الجنة فإنهم يشتغلون بنعم الجنة عن مشاهدة الحق