تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
قال الجنيد - رحمة اللّه عليه - « المكر في الصلاة أظهر من غيره » يعني به المكر في الصلاة بالصلاة وهو أن يعجبه صلاته من كثرته ، وحسنه ، ودوامه ، وطول قيامه ، والقراءة ، والركوع ، والسجود ، والخضوع ، والخشوع ، والطهارة ، والنظافة ، وحضور القلب ، والجمعية ، فيبقى فيه كما يبقى في الدنيا صاحب الدنيا ، وهذا إذا أكمل صلاته بجميع صفاتها كما أمر بها ، وأما من صلى هو غافل مشغول بالدنيا يدبر شؤونها وهو في الصلاة فهذه زندقة في نفاق لأن ترك الصلاة في الطريقة زندقة ، وهذا تارك الصلاة حقيقة ، من حيث أنه ليس في صلاته شيء منه إلّا الصورة وصلاة الصورة صلاة المنافقين ، وهو مذهب الزنادقة أيضا أن يصلى كل غافل رسما للبلد وصيانة للمال والولد فكانت هذه الصلاة زندقة في نفاق ؛ من هذا الوجه على مذهب التصوف . قال أبو الحسين أحمد بن محمد النوري - رحمه اللّه : « المعصية لا تخلو من الخذلان ، والطاعة لا تخلو من المكر » اعلم أن الخذلان في لغة العرب : ترك النصرة ، وفي اصطلاح المشايخ الصوفية : ترك العصمة ، والتوفيق ، والهداية من اللّه تعالى غضبا على العاصي وغليظا عليه بما اقترف من المعصية ، وأما المكر فسرناه من قبل وهو الابتلاء والامتحان نعمة من اللّه تعالى على العبد إحسانا معه . قوله : « المعصية لا تخلو من الخذلان » ظاهر لأنه لولا الخذلان لعصمه اللّه تعالى عنها « والطاعة لا تخلو من المكر » كما قال الجنيد - قدس اللّه سره - « إن المكر في الصلاة أظهر » قد شرحناه من قبل . قال الشبلي - رحمه اللّه : « اخترنا طريق التصوف سلامة من مكر اللّه تعالى » إنما قال ذلك ؛ لأن من سلك طريق التصوف أعرض عن الدنيا ، والآخرة ، والنفس جميعا فيقل المكر عليه في هذا الطريق كما بينا في كلام الجنيد .