نظر إلى شيء دونه » ، اعلم أن الذي يخرج من الداخل نوعان أحدهما : يكون خارجيا فيدخل ويتمكن ثمة ، ثم يخرج ويبقى في الخارج ولا يتمكن من الرجوع إلى الداخل وهو بلعام بن باعوراء ، وأمثاله كان متمكنا في الداخل فخرج ونظر إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فلم يقدر على الرجوع إلى الداخل من بعد ، قال اللّه تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
[ الأعراف :
175 ] إلى قوله :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
[ الأعراف : 176 ] أي : نظر إلى الأرض يعني الدنيا وما فيها
وَاتَّبَعَ هَواهُ
والتمسك بذلك ونظائره كثيرة ، والثاني : يكون منشؤه من الداخل فيخرج ويبقى خارجا ولا يتمكن من الرجوع إلى الداخل وهو إبليس ولا أعلم له نظيرا في الناس ، والذي يكون في الداخل ويخرج نوعان أيضا ، أحدهما : ما ذكرنا أنه يخرج ولا يعود وهو إبليس ، والثاني :
يخرج ويتحير في الخارج ويبقى مدة مديدة ثم يعود بالشفعاء والندامات وما أشبه ذلك ، ونظائره كثيرة منهم آدم صلوات اللّه عليه ، والملائكة هاروت ، وماروت ، وهكذا كان جماعة من أهل التصوف بعد ما كشف له من عالم الحقيقة وفتح أبواب المشاهدات انسلخ منها وانخلع من تصوفه وربما خرج من إيمانه وارتد من دينه الإسلام والعياذ باللّه ثم عاد ثانيا .
قوله : « والثالث يجئ الملك فيدخله بغير المانع لأنه مع المنشور » يعني مع الحاجب من الدليل ومع الحاجب إذن الملك ، وأمره وطلبه بإدخاله ، وهذا هو الذي يسهل عليه الوصول ، ولا يمنعه الدنيا والآخرة .
قيل وأصحاب الجذبات من هؤلاء وليس كذلك عندي بل وصول أصحاب الجذبات لا يكون بالمنشور والرسول ولا يحتاجون إلى الملك ، بل وصولهم إلى الحق ووصول الحق إليهم واحد لا يدري صاحب الجذبة أنه إليه