من اللّه تعالى بخلاف اللحظة ؛ فإنها رغبة في الدنيا والتفات إليها ، وإن الدنيا قلما يطلب طالبها من اللّه تعالى ، وإنما يطلب من أربابها الذين لهم الدنيا في أيديهم ظاهرا فكان إعراضا عن اللّه تعالى بالكلية وكفرا حرفا فسماه كفرا .
قوله : « والإشارة مكر » وقد عرف من قبل أن الإشارات أنواع جمة لكنه إنما أراد بذلك ظن الخفي ، أو منيته ، أو زعمه أنه وصل إلى المقصود ، وهذا مكر ؛ لأنه يغتر فينقطع من الارتقاء في عالم الحقيقة .
قال الجنيد - رحمه اللّه : « تقصير المحبين بلحظة يقع بالآفات » وذلك فضل اللّه عليهم ليزيد على خوفهم ، واضطرارهم ، وفقرهم ، وتقصير العارفين بخطرات سرهم ، وذلك تنبيه من اللّه تعالى لهم لكيلا يأمنوا مكر اللّه ، لأن المكر يظهر في هذا المقام ، وتقصير الموحدين بإشارات وذلك بشارة لهم من اللّه تعالى عز وجل لكي يسكنوا به لأن ذلك مقام النفي ، والنفي هلاك البدن ، ويزيد بإشاراتهم قوله هذا .
واعلم أن الجنيد - رحمه اللّه - جعل مقامات هؤلاء على ثلاث درجات كما جعل ابن عطاء ، غير أنه سمى أصحاب القلوب المحبين ، وابن عطاء سماهم أولياء ، ثم إن كلام الجنيد - رحمه اللّه - دليل على أن المحب والولي الذي هو صاحب القلب يحتاج إلى زيادة الخوف ، والاضطرار ، والفقر إلى اللّه تعالى ، وأن العارف الذي أعلى درجة وبلغ إلى مشاهدة الحقيقة يجب عليه أن يكون على حذر من المكر ولا يغتر بما يجرى معه من لطائف المشاهدات ، وأن الموحد يحتاج إلى التقوية والتسكين كيلا ينمحي بالنفي في مقام التوحيد ، وأن التوحيد مع النفي عندهم شرك ، تفهم إن شاء اللّه تعالى وحده .
قوله : « تقصير المحبين بلحظة يقع بالآفات » أما تفسير المحبين والمحبة
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 150
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٥٠