تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩

فصل

اعلم أن هذا الكلام من ابن عطاء دليل على ترتيب درجات هؤلاء كما رتبهم ، فإنه جعل أصحاب القلوب واللحظات أولياء ، وذلك أدنى الدرجات الثلاثة ، وسمى أصحاب السر ، والخطرات « عرفاء » وهذه درجة متوسطة ، وسمى أصحاب الخفي والإشارات موحدين . فإن قال قائل : هذه المقامات الثلاث أعنى كون العبد صاحب الخفي ، وصاحب السر ، وصاحب القلوب هل يجتمع لواحد من أصحابها أو يتفاوتون فيها ؟ قلنا : قد يجتمع الكل لكبار الأولياء ، وقد يقتصر بعضهم على بعض ومن اجتمع له هذه الخصال ؛ فإنهم يتفاوتون أيضا فيما لهم قوة وضعفا عنها ثم الذين اجتمعت لهم هذه الخصال لا ينبغي لهم أن يلتفتوا على منازلهم التحتانية خوفا من الارتداد إليها ، ومن التراجع عن المقامات الفوقانية ، وكل كلماتهم هذه إشارات إلى ذلك ، فافهم . قال الشبلي : « اللحظة كفر ، والخطرة شرك ، والإشارة مكر » أما « اللحظ كفر » في اصطلاحهم فلأنه التفات إلى الدنيا ، ونظر إليها فذلك وإن كان لمحة فهو إعراض عن الحق ، وكان ارتدادا كفرا ، وهذا لو تأملت فيه لوجدته كفرا ، وردة حقيقة إلّا أنه عفي في الشريعة من كل مؤمن ومسلم ، فافهم . قوله : « والخطرة شرك » يعني الالتفات إلى الآخرة ؛ لأنه رغبة في الآخرة مع رغبة إلى اللّه تعالى ، فكانت الآخرة إلها معبودا ثانيا له حيث يعبد خوفا من النار وطمعا في الجنة فكان شركا ، وإنما جعل هذا شركا ، وجعل السابق كفرا ، لأنه مع الالتفات إلى الآخرة بقي ملتفتا إلى اللّه تعالى لأن طالب الآخرة إنما يطلب
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 149 | محمد بن عبد الملك الديلمي / محمد مصطفى القادرى السيلانى