فينقطع ؛ فإن قلت : هذا الهلاك بهذه الالتفاتات كائن لا محالة أم لا ؟
قلت : ما شاء ونعوذ باللّه من ذلك ؛ فإن هذه الالتفاتات مما يكثر وربما يوجد أكثر من ذلك للأولياء الكبار ولا يهلك به لا محالة ، والهلاك إنما يحصل إذا ألف وأنس بما ألتفت إليه وولع به ورغب عمّا فوقه جهلا بما فوقه ، أو كسلا عن السر ، أو استطابة لها مع دناءة الهمة فيقف عند الأدنى ويرضى بها ، ولا يريدون بهذا الهلاك الكفر ، أو الفسق في الشريعة ، ولا استحقاق العقوبة عليها بنار الجحيم ، بل عوقب هذا الملتفت إنما يعاقب بالانقطاع عمّا التفت عنها من المقامات العالية إلى المنازل الدنية فيترك فيها ، وربما يقول بعضهم إن الالتفات من الأعلى إلى الأدنى كفر ، وشرك ، وردة ، وزندقة ، يعنون به الارتداد والتنزل من أعلى إلى أسفل لا ما هو كفر ، وردة في الشريعة فافهم .
إنما قال ابن عطاء هذا القول لأمرين أحدهما : تحذيرا ، والآخر : تنزيها ، فأما التنزيه فإن الالتفات على الغير تقصير وخلاف هذا المقام فأراد أن يكون المريد منزها عن ذلك التقصير وأما التحذير فإنه لما كان ذلك الالتفاتات تفضي إلى الهلاك أشار إليها على سبيل الندرة وحذرهم عن ذلك الالتفاتات لكي يجتهدوا في الاحتياط ؛ لأنه لما كان تحذيرا من اللّه تعالى حذرهم إن شاء اللّه وحده .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 148
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٤٨