قوله : « يرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم » هذا إذا كان لصاحب القلب نظر قوى سمى النظرة بالقلب هنا لحظة ، فقال : « يرون بلحظات قلوبهم » أي :
يرون بنظرات قلوبهم ، وحيث قال : « اللحظ كلام القلب » علمنا أنه أراد به أنواع التصرفات للقلب ، والنظر الضامن جملتها كالكلام .
قوله : « يرون » يعني بالرؤية فيما يرى ، والعلم بما لا يرى مثلا يرى رجلا جاء من سفره ، أو يراه محبوسا في موضع ، أو يراه رابحا في سفره ، أو خاسرا وهذا يكون خيرا ، وعافية ، والآخر يكون شرا ، وما أشبه ذلك ، وإن هؤلاء هم أصحاب الفراسات والبصائر الباطنة في الغيوب .
قوله : « يرون أحوال الدنيا » إنما قال ذلك لما قد ثبت عندهم أن الذي يلتفت إلى الدنيا وما فيها هو القلب مع موافقة العقل وبدرقة السر ، وكان القلب هو الأصلي في ذلك النظر فإضافتها إلى القلب .
قوله : « يرون أحوال الآخرة بخطرات سرهم » قد ذكرنا من قبل أن خطرات السر أنواع شتى من جملتها الرؤية ، والنظر ، والالتفات إلى الآخرة فإذا كان الروح الذي هو سر قوى البصيرة في الالتفات إلى الآخرة رأى أحوالها .
قوله : « يرون أحوال ما عند اللّه بإشارات خفيهم » لما قد عرف من قبل أن إشارات الخفي نظر إلى ما عند اللّه تعالى في عالم الحقيقة ، والتفات إليها وتوقف عندها على ما شرحناه من قبل .
قال ابن عطاء : « هلاك الأولياء بلحظات القلوب ، وهلاك العرفاء بخطرات السر ، وهلاك الموحد بإشارات الخفي » وإنما قال : « هلاكا » لما أشرنا إليها من قبل أن ذلك التفات إلى غير المقصود ، وإنما يلتفت إلى الدنيا وما فيها من الكرامات بقلبه فينقطع عن المقصود أبدا ، وربما يرتد راجعا هاربا عن منزلة
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 146
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٤٦