قال الجنيد - رحمة اللّه عليه : « أهل القلوب ابتلوا باللحظات ، وأهل السر ابتلوا بالخطرات ، وأهل الخفي ابتلوا بالإشارات » وإنما قال ذلك لأن أهل القلوب باللحظات يلتفتون إلى خلفهم وهو الدنيا وما فيها فكان هذا بلاء ، وابتلاء لهم حيث قطعوا في هذه الساعة من الزمان عما توجهوا إليه في سيرهم .
قوله : « وأهل السر ابتلوا بالخطرات » لأن خطراتهم التفات إلى خلفهم وهو الآخرة ، والدنيا جميعا ، وينقطعون بها في ساعة لطيفة عن السير إلى مقصودهم .
قوله : « وأهل الخفي ابتلوا بالإشارات » لأن إشاراتهم التفات إلى غير المقصود الأصلي قصدا أو غلطا في ساعة لطيفة وذلك عندهم شرك ، وإنما سمى ذلك ابتلاء لأنه أكثر ما يقع ، يقع اضطرارا لا اختيارا وأنه ما يكون شرا لهم من وجه فهو خير لهم من وجه آخر فسموها ابتلاء من هذا الوجه ، والدليل على أن هذه الالتفاتات شر وقبح ابتلى بها الأولياء نص القرآن قال اللّه تعالى
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ يونس : 32 ] . وشرح الآية في سورة يونس في كتاب « تصديق المعارف » تطلب ثمّ ، ولأنه زيغ عن المقصود ، وميل عن المطلوب وهو اللّه تعالى ، فيكون ضلالا باطلا غير أن فيه خيرات ومنافع وهو علوم تجارب الأمور الروحانية واكتساب دقائق معارف عوالم التلوينات والتمكينات وعلوم عوالم الصفات .
قال الجنيد رحمة اللّه عليه : « إن للّه عبادا يرون ما ورائهم من الأشياء ، يرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم ، وأحوال الآخرة بخطرات سرهم ، وأحوال ما عند اللّه تعالى بإشارات خفيهم » .
قوله : « عبادا » أراد به نفوسهم وذواتهم .