ثم الثالث : عالم المعاينات ، ثم عالم التوحيد ، وإن شئت قلت :
الأول عالم الحروف ، ثم عالم الأسماء ، ثم عالم الصفات ، ثم عالم الذات .
أما عالم المعاينة عالم الفناء ، والعالم الرابع : عالم فناء الفناء وهو عالم البقاء وهذا عالم الأنبياء ، وكبار الأولياء ، ثم يترتب على هذا العالم عالم خامس وهو عالم العلم المجهول ، ولا يصل إلى هذا العالم أيضا إلّا الأنبياء ، وكبار الأولياء ومن وصل إلى هذا العالم عاد إلى البداية بالعجز عن الدراية ، وهو على غير دراية فيقول : « يا دليل المتحرين زدني تحيرا » « 1 » ، ويقول : « إنما الإدراك والعجز عن الإدراك » وهذا مقام من مقامات هذا العالم الخامس وفوقه مقامات يزول فيها العجز والتحير مع أنه يعجز عن الإخبار بها وعن الإشارة إليها والكناية عنها ، ويصير كليل اللسان عن بيان ما علم عن إقامة البرهان على ما فهم إذ ليس عبارة عن ذلك أشرح وأبين مما قال اللّه تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى آية : 11 » .
وقلت : صفاته العجب ، وذاته الأعجب ، ثم الأعجب ، والأعجب ولم نبلغ نحن إلى عالم سادس ذوقا بعد فلا ندري كيف مذاقها ، فافهم جميع ذلك إن شاء اللّه تعالى .
اعلم أنه كان ذلك في بداية معاريجنا ثم بلغنا إلى عوالم الرحمة حتى وصلنا إلى عوالم روائح الوحدانية العظمى فشممنا روائحها وعلمنا أنه لا وصول إليها لغير اللّه تعالى ، ثم رزقنا اللّه تعالى المعرفة العطائية بها عند معرفة عجزنا عنها على ما تبين في فصل التوحيد من كتاب « عيون المعارف » وكتاب « جواهر الأسرار » تطلب ثم إن شاء اللّه وحده .
هامش
( 1 ) إشارة إلى حديث « اللهم زدني فيك تحيرا » ذكره السادة الصوفية في كتبهم كالشيخ الأكبر في الفتوحات ( 1 / 304 ، 305 ) ، والشعراني في الميزان الذرية .