تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وطريقة أخرى أسهل من ذلك وهو أن تمسك لسانك عن القراءة وينطق فؤادك بلا تحرك لسان ورفع صوتك بالكلام تقرأ في قلبك سورة ، أو آية طويلة من أولها إلى آخرها على الترتيب المرتب ، فإذا قدرت على ذلك القراءة وقرأت فقد قرأت بقلبك ، ثم إن أدركت ذلك القراءة وسمعتها فقد سمعت كلام القلب ولا تسمع ذلك أيضا إلا بإذنك الباطن ، وهو القلب هذه مما عرفناها بالمشاهدة بالحواس الباطنة ، ونظير ذلك ما إذا تحرك برغوث في داخل أذنك تسمع صياحا من حركات أرجلها كما تسمع من هبوب الريح العاصف ، والسيل المنحدر ، ولو كان البرغوث خارج الأذن لا تسمع قط كأنه ليس ذلك البرغوث ولا حركتها في الوجود كذلك حال حواس القلب الباطن لا يسمع كلامها إلّا صاحبها فافهم . ولا تستبعد أن يكون بعض الناس قاسية القلب لا يكون لقلبه لسان ينطلق ، ولا عين تبصر ، ولا أذن تسمع ، ولا خيشوم يشم به الروائح ، ولا مذاق يذوق به الطعوم والأذواق ، وملمس يلمس به الملموسات اللطاف فذلك بليد بعيد لا يفهم ما قلنا ، كما لا يفهم الأعمى ، الألوان ثم المشايخ إنما سموا هذه اللحظات كلام القلب ، وما سموها فكرا ، أو علما ، أو إرادة وما أشبه ذلك ، وإن كان جميع ذلك من لحظات القلب لأن الكلام في لغة العرب ، إنما سمى كلاما لتأثيره في سمع السامع كالسهم والسيف يجرح المحل الذي يصيب ، والكلم جرح ثم كان لهذه المعاني تأثير في انجراح صاحبها وتخلفه عن طريقه وانقطاعه عن التوجه إلى الحقيقة إلى توجه إليها ، وإن كان لمحة فسموها باسم الكلام مجازا إذا عرفت ذلك فقد عرفت أنه أراد بقوله « اللحظ كلام القلب » أي : اللحظ التفات القلب إلى غير الحق تعالى ، فقد عرفت شكل القلب في كتاب « مرآة الأرواح » ثم أكثر ما يكون لحظات القلب صرفا لصاحبها إلى الدنيا .