منهم ، حيث علموا أنه أصاب من القرب إلى الرب ما لم يصيبوه ، أو أهلكوه بالإنكار على حاله .
قال الشبلي : « إني أنتظر أن أتنفس نفسا لأعلم التجلي فلم أقدر عن بذلك » ثم قول أبى يزيد : « سبحاني ما أعظم شأني » « 1 » قالها ولم يعلم ما قال .
هامش
( 1 ) تنبيه : يقول الشيخ الشرقاوي أثناء كلامه على المتصوفة وأنواعهم : وفرقة أخرى لم يلتفتوا إلى ما يفاض عليهم من الأنوار في الطريق ، ولا إلى ما تيسره لهم من العطايا الجزيلة ، ولم يعرجوا على الفرح بها جادين في المسير ، حتى تأربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى اللّه تعالى فظنوا أنهم وصلوا وغلطوا ، فإن للّه تعالى سبعين حجابا من نور لا يصل السالك إلى واحد من تلك الحجب إلا ظن أنه قد وصل ، ولا يصل السالك إلى تلك الأنوار والحجب ما لم يخرج عن حجاب نفسه ، ويكون هو أيضا ربّانيّا بل هو نور من أنوار اللّه تعالى ، أعنى بسير القلب والروح فيه يتجلى له حقيقة الحق ، حتى إنه ليتسع لجملة العالم ويحيط به ويتجلى فيه صورة الكل ، حتى قيل أنه اللوح المحفوظ فإذا انتهى إلى ذلك السالك أشرق نوره إشراقا عظيما ؛ إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه ، وقد كان في أول الأمر محجوبا بمشكاة هي كالساتر له كما دلّ عليه القرآن فإذا تجلى نوره وانكشف جمال القلب بعد إشراق نور اللّه تعالى ربما التفت صاحب ذلك القلب ، ورأى من جماله الفائق ما يدهشه فربما سبق للسكر والدهشة إلى لسانه فقال : أنا الحق ، فإن أخذ الحق بيده ومدّته الألطاف الإلهية سار ولم يقف وإلا هلك ، وربما التبس المتجلي بالمتجلي فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة فيظن أنه لونها ، وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج فيحصل الغرور ، وبهذه العين نظرت النصارى للمسيح ، لما رأوا إشراق نور اللّه تعالى قد تلألأ منه فغلطوا عند رؤيته كمن نظر كوكبا في مرآة ، أو ما فطن أن الكوكب في المرآة أو الماء فيمد يده ليتناوله .
وإلى تلك الحجب النورانية الإشارة لقول الخليل صلى اللّه عليه وسلم :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي: أي نور من أنوار اللّه وهو أول الحجب ؛ إذ هي على الطريق السالك ولا يتصور الوصول إلا بعبورها ، وبعضها أصغر وبعضها أكبر بقدر القرب والبعد ، وأصغر الأنوار السماوية هي الكواكب فيستعار لفظ الكوكب لأول تلك الأنوار ؛ لأنه أصغرها وأعظمها الشمس وبينهما القمر ، فلم يزل إبراهيم يترقى من نور إلى نور وحجاب بعد حجاب ، وكلما أظهر له شيء من الأنوار الإلهية ظن أنه قد وصل ، فيقول : هذا ربي فينكشف له بنور النبوة والتوفيق الإلهي أن وراءه أمورا ، فكلما انكشف نور ظهر للأول درجة الانحطاط عن ذروة الكمال ، واطلع على أن له نهاية فيقول :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، ولم يزل كذلك إلى أن تجاوز ما لا ينتهي ، فلما انتهى إلى جنات لا نهاية لها وانقطع عمله عما دون ذلك قال :إِنِّي وَجَّهْتُ-