تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
هامش
وكتب الحديث الكثير وتفقه على مذهب الشافعي . وأخذ عنه : أحمد بن حنبل وابن الجلاء وآخرون من الأجلاء . قال ابن الجلاء : لقيت ست مائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعة أولهم : أبو تراب . ووقف خمسا وخمسين وقفة بعرفة ، ومرّ به أحد الأمراء وهو يحلق رأسه فأعطاه ألف دينار فقال له : أدفعها للمزين ، فردها المزين ، فردها أبو تراب . وكان إذا وجد من أتباعه فترة جدد توبة . وقال : بشؤمي وقعوا فيما وقعواإِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[ الرعد : 11 ] . وقال : لقيت غلاما في التيه يمشي بلا زاد فقلت في نفسي إن لم يكن معه يقين هلك ، فقلت : يا غلام ، في مثل هذا لموضع بلا زاد ؟ ! قال : يا شيخ ، ارفع رأسك ، هل ترى غير اللّه ؟ ! قلت : الآن اذهب حيث شئت . وكان يكثر ذكر أبي يزيد البسطامي ويقول لتلاميذه : حظي عنده : لو رأيته ، فقال : قد أكثرت من ذكر أبي يزيد البسطامي من يتجلى له الحق كل يوم مرات ، ما يصنع بأبي يزيد ؟ فقال : لو رأيته لرأيت مرأي عظيما ، فلم يزل يشوقه حتى ارتحل إليه فقيل له : إنه في الغيضة مع السباع ، وكان يأوي إليها فقعد على طريقه فعند ما وقع بصر الفتى عليه خر ميتا فعجب أبو تراب من ثبوته لتجلى الحق دون رؤية أبي يزيد فقال أبو يزيد : كان الحق يتجلى له كل يوم على حسب ما عنده ، فلما رآني تجلى له الحق على قدري فلم يطق فلا عجب . قال ابن المنير : واصطلاح أهل الطريق معروف في التجلي ، وحاصله رتبة من المعرفة جلية وحالة بين اليقظة والنوم سوية ، والإيمان يزيد وينقص ولا تظنهم يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى على خصوصيتهلَنْ تَرانِي[ الأعراف : 143 ] والتي قيل فيها على العموم :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[ الأنعام : 103 ] فإذا فهمت أن مرادهم الذي أثبتوه غير المعني الذي حصل الناس منه على اليأس في الدنيا ووعد به الخواص في الآخرة ، فلا ضير عليك ولا طريق لسوء الظن إليك واللّه يتولى السرائر . قال السبكي : وكلامه - أعني ابن المنير - في تفسير التجلي يقرب من قول شيخه ابن عبد السلام في قواعد التجلي والمشاهدة عبارة عن العلم والعرفان ، واعلم أن القوم لا يقتصرون في تفسير التجلي على العلم ، ولا يعنون به إياه ، ثم لا يفصحون بما يعنون ، بل يلوحون تلويحا ، ثم يصرحون بالبراءة مما يوجب سوء الظن تصريحا ، ولم يفصح القشيري في رسالته بتفسيره ، ولعله خاف على فهم من ليس من أهل الطريق ، وحاصل ما قاله متأخروهم : إن التجلي ضربان : ضرب للعوام : وهو أن يكشف صورة كما جاء جبريل في صورة دحية ، وكما جاء في حديث : « رأيت ربي في -