أشد من الأول ، ومن هنا قال بعض المشايخ « 1 » : الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك وإنما أراد به الحال الغالب يسحقه بشدته ، وكذلك قولهم : الوقت سيف قاطع ، وقيل : قاتل ، يريدون به الحال الغائب الشديد « 2 » .
وقال الجنيد : « النفس الرحماني إذا هاج من السر يميت القلب ، والصدر والنفس لا يمر على شيء إلا ويحرق ذلك الشيء حتى العرش » يعني الرحماني إذا هاج حتى جاوز من اليد إلى القلب يميت كل شيء من العبد حتى القلب ، والصدر فيصعق عنده ذلك ، كما صعق موسى عليه السّلام .
قوله : « والنفس لا يمر على شيء إلا ويحرق ذلك الشيء حتى العرش » يعني لا يمر على شيء من بواطن العبد دون ظاهره من البدن والجوارح ، ويعنى بالعرش منظر الحق في الكتاب ، وتحقق تفهم إن شاء اللّه وحده .
والدليل على حصول التنفس الرحماني الأحاديث المشهورة بعبارات مختلفة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا رأيتم الريح فلا تسبوها ، فإنها من النفس الرحمن » « 3 » بالرحمة ويأتي بالعذاب وبيان ذلك سيأتي إن شاء اللّه وحده .
هامش
( 1 ) القائل هو سيدي أبي علي الدقاق كما في الرسالة القشيرية ( 31 ) .
( 2 ) الوقت في مصطلح القوم : عبارة عن حالك ، وهو ما يقتضيه استعدادك لغير مجهول في زمن الحال الذي لا تعلق له بالماضي والمستقبل فلا يظهر فيك من شؤون الحق الذي هو عليها الآن ، إلا بما يطلبه استعدادا ، فالحكم للاستعداد وشأن الحق محكوم عليه . وهذا هو مذهب التحقيق ، فظهور الحق في الأعيان بحسب ما يعطيه استعدادها ، فلذلك ينبع فيها فيض وجود الحق ، وهو في نفسه على وحدته الذاتية ، وإطلاقه وتجرده وتقدسه غنيّ عن العالمين .
( 3 ) تقدم تخريجه .