تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
ذلك أنه قال على عكس ما قال الجنيد فهو صحيح أيضا لأن كليهما يشقان على المريد أن يحفظهما ، أما حفظ النفس عن الوقت شاق ؛ لأنه إذا غلب الحال عليه لا يمكن الصبر على التنفس بالحركة والأنين والصياح ، وأشباه ذلك وكذلك إذا صدر منه التنفس بذلك يحتاج إلى حفظ الحال والوقت كي يزول بها وذلك الحفظ
هامش
فبكى الجنيد بكاء شديدا ، ثم قال لي : يا أبا العباس ، ما أطيب منازل الألفة والأنس وأوحش مقامات المخالفة لا أزال أحنّ إلى حال بدايتي وجدة سعيي وركوبي الأهوال طمعا في الوصول ، وها أنا ذا في أيام الفترة أتأسف على أوقاتي الماضية . وحكي أن الجنيد حضر ليلة في جمع من الأصحاب في دار دعي إليها ، فلما دخل الدار رأى شخصا أجنبيّا بين الجماعة ، فدعاه وأعطاه بردته ، وقال له : امض بها إلى السوق وارهنها على منوين من السكر للفقراء ، فلما خرج الرجل من بينهم أغلق الباب دونه وناداه : يا فلان ، خذ البردة ولا ترجع إلى هاهنا ، فقيل له في ذلك ، فقال : اشتريت ببردتي لكم صفاء الوقت في هذه الليلة بإخراج من ليس منكم من بينكم . حكي رضي اللّه عنه أنه قال : رأيت درويشا في البادية ، جالسا تحت أشواك شجرة أم غيلان ، في مكان صعب وبمشقّة تامة ، فقلت : يا أخي ، ما أجلسك هنا ؟ فقال : اعلم أنه كان لي وقت ضاع هنا ، فجلست الآن أتوجع عليه ، فقلت : منذكم من السنين ؟ قال : منذ اثنتي عشرة سنة ، فليبذل الشيخ الآن همة في الأمر يطلب الدرويش من الجنيد أن يبذل همة لمساعدته لعلّي أصل إلى مرادي ، وأستعيد وقتي . قال الجنيد : فمضيت وأدّيت الحج ، ودعوت له ، فاستجيبت الدعوة ، وبلغ مراده ، فلما رجعت وجدته جالسا في نفس المكان ، فقلت : أيها الشيخ ، لقد كنت ألازم المكان الذي كان محل وحشتي وأضعت فيه رأس مالي ، فهل يجوز الآن أن أترك المكان الذي استعدت فيه مالي وهو محل أنسي ؟ فليذهب الشيخ بسلام ، لأني سأخلط ترابي بتراب هذا الموضع ، حتى أرفع رأسي يوم القيامة من هذا التراب ، الذي هو محل أنسي وسروري . في قوله تعالى :فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ[ الشرح : 7 ] قال الجنيد : إذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد في عبادة الحق . وقال يوما لأصحابه : أتدرون أين يذهب بكم ، وتدرون لما خلقتم ، وإلى ماذا تصيرون ؟ فاتقوا اللّه عزّ وجل ، واحفظوا أوقاتكم وساعاتكم ؛ فإنها زائلة عنكم غير راجعة عنكم ، والحسرة في فوتها على الغفلة ، فلو بذل أحدكم ما بذل لم يردّ وقتا فات ، فأوصلوا أورادكم تجدوا منفعتها في دار الإقامة ، لا يشغلكم عن اللّه عزّ وجل قليل الدنيا ؛ فإن قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة .
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 114 | محمد بن عبد الملك الديلمي / محمد مصطفى القادرى السيلانى