وذلك من نور العلم باللّه ، فهم في الخلق أخفياء ، لصفة علمهم مكنون مخزون عن غيرهم . فهم لا يظهرونه مع علمهم ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ هو عالم به ، ثمّ لم يظهره لكافّة خلقه .
ومن جملة ذلك علم معرفة السعادة والشقاوة . ألا ترى إلى
رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، كيف نظر إلى الذي كان يقاتل في سبيل اللّه ، حتّى تعجّب بعض القوم من قتاله ، وقالوا : يا رسول اللّه ، ما ترى إلى فلان ؟ فقال : « هو من أهل النار » . فأصابه سهم . فاستعجل وأخذ سيفه فقتل نفسه
« 1 » . فصار - كما قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم - من أهل النار .
وهذا صفة علم اللّه المخزون المكنون ، وصاحبه هو العالم باللّه وأيّامه ومراده و [ ب ] علمه . فتراه مع اللّه في جميع الأحوال ، وعلم اللّه قد كشف له عن الأسرار المغيّبة ، والأقدار المستورة ، والأخبار المكتومة : سعادة بصفة شقاوة ، وشقاوة بصفة سعادة ، بلاء بصفة عطاء ، وعطاء بصفة بلاء .
فعالم يعلم صور الأشياء ، وعالم يعلم صفات الأشياء ، وعالم يعلم المراد من الأشياء ، والأسرار في الأشياء . وقد قالوا : للعلماء في الحقيقة أربعة : عالم باللّه ، وعالم بعلم اللّه ، وعالم بأمر اللّه ، وعالم بعلم أمر اللّه .
قال اللّه تعالى :
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( القرآن الكريم 29 / 43 ) ، أي :
العالمون باللّه وبأسمائه ( 30 آ ) وصفاته ، لا من حيث الإيمان ، بل من حيث العرفان ، وذلك بعد الجواز من حقائق الإيمان ، إلى حقائق العيان ، كما
قال ، عليه السلام : « أللّهمّ أرنا الأشياء كما هي »
، أي في عالم اللّه . لأن العلم في عالم الجبروت ، بخلاف ما هو في عالم الشهادة . فنظر العلماء باللّه في الملكوت ، وعلمهم من الحيّ الذي لا يموت . فالعالم باللّه إنّما علمه علم
هامش
( 1 ) انظر المعجم المفهرس 4 : 142 ، تحت : عجل .