وحقيقته أن لا يبقى إلّا اللّه . كما قال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القرآن الكريم 28 / 88 ) . لم يزل يسير بالذّهاب إلى اللّه حتّى فني سيره ، فذهب في اللّه . لأنّ حال أهل النهاية في السلوك مع اللّه ، وأحوالهم من اللّه وفي اللّه . فلم يترك ذلك للعدوّ [ و ] عليهم تسلّط فيلقي إلى بواطنهم غير ما أقامهم اللّه عليه .
وإذا كان المتصرّف فيهم وعليهم ( هو ) اللّه تعالى ، فغير خاطر الحقّ جلّ وعلا ( 28 آ ) لا يخطر لهم . ولهذا قال بعض الكبار : « لي ثلاثين سنة ، ما أقامني اللّه في مقام فكرهت ذلك المقام » . وذلك يقتضي شيئين « 1 » :
وجود القلب ، وشهود تصرّف الربّ ، ولا يصحّ هذا النظر إلّا لمن كليّته قلب ، لا نفس له .
وصفة القلب عند حصول المعرفة والذوق ، كما قيل : « وكلّما يفعل المحبوب محبوب » ، لأنّه « 2 » محلّ تصرّف اللّه ، كما أنّ النفس محلّ تصرّف غير اللّه .
فعلامة القلب إيقاع الخاطر الربّانيّ الحقّيّ . وعلامة الخاطر الرّبّانيّ الحقّي حصول القلب . فذو القلب يعرف خاطر الربّ ، كما قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
( القرآن الكريم 50 / 37 ) .
وهيهات ، من لم يذق طعم لذّة البدايات ، أنّى يصل إلى النهايات ، ومن لم يتطهّر من المذمومات ، أنّى يصل إلى المحمودات . ومن لم يقطع المهلكات ، متى يصل إلى المنجيات ، ليحصل له النجاة « 3 » ؟ ومن لم يترقّ « 4 » في المحمودات ، أنّى يصل إلى الغايات من الحالات والمقامات ؟ لأنّ سرّ
هامش
( 1 ) شيئين ، في الأصل : شيئان .
( 2 ) لأنّه ، في الأصل : لأنها .
( 3 ) النجاة ، في الأصل : النجات .
( 4 ) يترق ، في الأصل : يترقّى .