فلمّا أحبّوه عرفوه . إذ كما فتح لهم عن محبّته ، فتح لهم عن معرفته « 1 » ، وكما أحبّهم اللّه كذلك تعرّف إليهم . إذ كما خصّصهم فتعرّفوا إليه « 2 » . فلمّا حصل لهم نور المعرفة ، ثمّ نور التعرّف - إذ نور التعرّف في مقام أعلى « 3 » المعرفة ، ونور المعرفة في مقام أوّل المعرفة - [ ف ] لم يؤثروا عليه شيئا سواه منذ أن عرفوه « 4 » ؛ بل آثروا كلّ شيء له ولأجله ، وتركوا كلّ مألوف من أجل حبّه ، حتّى صاروا على الحقيقة عبيدا « 5 » .
فالمحبّة من اللّه لهم صيّرهم أحرارا « 6 » ممّا سواه ، عبيدا « 7 » له .
فأحبّهم ثمّ أقدرهم وجذبهم إلى محبّته ، وبالمحبّة صيّرهم أحبّاء في الدنيا والآخرة ليشاهدوا في الدنيا والآخرة . فالموت لا يحجبهم ، بل ينقلهم من دار الحزن والآلام إلى دار الحياة والمشاهدات . وقد ورد :
« إنّ أحبّاء الرحمن لا يموتون ، ولكن ينقلون من دار إلى دار »
« 8 » .
والفرق بين المحبّة والقرب ، أنّ في أوّل الأمر قرب ، من غير رفع الحجب . كما قال :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
( القرآن الكريم 56 / 85 ) . لأنّ مقام القرب [ والمحبّة ] حجاب ، إذا رفع الحجاب يقال : وصل ، لا : قرب . لأنّ القرب حدّ ، وفي المحبّة فناء الحدّ . لأنّ في المحبّة شهود ، وفي القرب مؤانسة . وأين المؤانسة من المشاهدة ؟ فصارت
هامش
( 1 ) لهم عن معرفته ، في الأصل : له عن معرفتهم .
( 2 ) إليه ، في الأصل : إليهم .
( 3 ) أعلى ، في الأصل : أعلا .
( 4 ) منذ أن عرفوه ، في الأصل : منداعرفن .
( 5 ) عبيدا ، في الأصل : عبدا .
( 6 ) أحرارا ، في الأصل : حرا .
( 7 ) عبيدا ، في الأصل : عبدا .
( 8 ) انظر هنا ص 61 / 2 - 3 .