فصل ( 14 ) : في فائدة موت الإرادة
لموت الإرادة « 1 » تخصيص يعتري طالب الحقّ ، إذا سلك طريق الحقّ بمقتضاه . ومعنى موت الإرادة ، في لسان التصوّف ، أن يزول ويفنى من العبد رؤية الأسباب والوسائط . فكما لا يمكن لميّت الشريعة « 2 » أن يرجع إلى ما عنه مات من مال وولد ، عقلا وشرعا ، فكذلك لا يمكن لميّت الطريقة والحقيقة ، أن يرجع إلى رؤية الوسائط ، بعدما مات عنهنّ ذوقا وكشفا .
ومعناه عندهم : أن لا يرى إلّا المسبّب . كما قال بعضهم : ما نظرت إلى شيء إلّا ورأيت اللّه فيه . وهذا إخبار عن بدء « 3 » الخروج من الوجود . ثمّ لمّا توسّط قال : معه ، ثمّ لمّا خرج بالكلّيّة قال : ما نظرت إلى شيء إلّا ورأيت اللّه قبله . وذلك لموته عمّا سوى اللّه ، ولرفع الحجب من القلب .
فإذا نظر إلى المقدور لم يستقرّ عنده ، لموته عنه . فيجوز إلى القدرة فلا يقتنع بها حتّى يصل إلى القادر ، فيستقرّ . كما قال الخليل ، عليه السلام :
هذا رَبِّي
( . . . )
هذا رَبِّي
( . . . )
هذا رَبِّي
( القرآن الكريم 6 / 76 ، 77 ، 78 ) « 4 » ، حتّى جاز من الكلّ إلى من له الكلّ ، فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
الآية ( القرآن الكريم 6 / 79 ) ( 22 آ ) . وهذا إنّما يكون كذلك لوجود البرّ في « فلمّا » « 5 » .
( و ) السالك هو في السير ، في قطع رؤية المصنوعات إلى
هامش
( 1 ) موت الإرادة : صوم الإرادة ، قارن بصوم القلب ص 11 / 19 .
( 2 ) لميّت الشريعة . . . : قارن الفقرة التالية بفوائح ، فقرة 165 ، ص 82 / 2 وما يليها .
( 3 ) بدء ، في الأصل : بدو .
( 4 ) وهذه الآيات الكريمة تقول :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.
( 5 ) « فلمّا » ، في الأصل : كلّما .