منها ائتلف وما تناكر منها اختلف »
« 1 » . تعرّف في الأزل إلى الأرواح ، قبل خلق الأشباح ، فعرفوه . فما تعارف عند سماع الخطاب ، ائتلف بحصول الاقتراب .
وقد وعد اللّه أنّ :
« من ذكرني ذكرته « 2 » ، فمن ذكرني باللسان ، ذكرته بالإحسان ، ومن ذكرني بالقلب ، ذكرته بالقرب »
. وقرب اللّه من العبد عبارة عن رفع الحجب ، وإلّا فليس ببعد إلّا بإسبال الحجب العزّيّة على وجوده .
فالبعد من حيث العبد ، لا من حيث الحقّ ، لوجود الحجب . فبوجود الحجب : العبد في بعد ، وبعدم الحجب ، في قرب . كما قال بعضهم :
احتجب عن الخلق لشدّة ظهوره . ( 17 ب ) فمن تعرّف إليه ، واقترب منه ، أزال عن قلبه الحجب ، وأظهر له دلائل معرفته ، حتّى عرّفه بيقين ، أنّ اللّه هو الحقّ المبين .
وللمعرفة حقيقة ، وحقّ حقيقة . المعرفة يطاق معرفتها ، وحقّ المعرفة لا يطاق معرفتها . ولهذا قال « 3 » أهل المعرفة : ما عرفناك حقّ معرفتك . ولم يقولوا : حقيقة معرفتك . فما تعارف من الأرواح ، عرف طريق الإيضاح ، لمشاركة صحّة الأشباح . وما تناكر بوجود العلل والأسباب ، اختلف عن حقيقة المعرفة بإسبال الحجاب . فأهل الاختلاف ، أشغلوا بالخلاف ،
هامش
-أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
( 1 ) انظر المعجم المفهرس 1 : 385 ، تحت : جنّد و 2 : 318 ، تحت : أرواح ، وانظر أيضا الألف المختارة من صحيح البخاري 5 : 39 .
( 2 ) من ذكرني ذكرته : في هذه الجملة إشارة إلى القرآن الكريم 2 / 152 :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ،وإشارة إلى الحديث القدسي
« من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . . . »
. ( 3 ) قال ، في الأصل : قالوا .