فاحتجبوا عن الائتلاف ، فكانوا عن المعرفة بمعزل ، فلأجلها لم يختصوا بالقرب ، فبقوا « 1 » في عالم العادات ، عمي « 2 » عن المشاهدات .
وأهل الائتلاف ، ذكرهم بإسماع الخطاب ، ثمّ جذبهم بالاقتراب ، فقدّمهم ، وجرّدهم ، وصفّاهم ، ثمّ صافاهم ، ثمّ اصطفاهم ، ثمّ ناداهم ، ثمّ أسمعهم ، ثمّ سقاهم ، ثمّ أسكرهم ، ثمّ أصحاهم ، ثمّ غيّبهم ، ثمّ أحضرهم ، ثمّ أفناهم ، ثمّ محاهم ، ثمّ أبقاهم ، ثمّ أدناهم ، ثمّ جالسهم ، ثمّ حاظرهم ، ثمّ شاهدهم ، ثمّ أحياهم ، ثمّ حيّاهم ، ثمّ عرّفهم ، ثمّ تعرّف إليهم ، ثمّ أحبّهم ، ثمّ تحبّب إليهم . فهم عنده ، ولديه ، ومعه ، وبه ، وله ، أحبّاء ، عرفاء ،
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
( القرآن الكريم 3 / 169 ) .
هذا دليل على انعدام إرادتهم وطلباتهم واختياراتهم وحاجاتهم ، بل يلهمون الأمر بمراد اللّه فيهم وعليهم ؛ فالأمر يحرّكهم وبالأمر يتحرّكون .
فصل ( 12 ) : في التصوّف
سئل بعض المشايخ « 3 » عن التصوّف ، فقال : هو بذل « 4 » الروح ، فإن قدرت ، وإلّا فلا تشتغل بترّهات الصوفيّة « 5 » .
وإنّما يهون ببذل الروح عند وجدان أهل الوحدة والعزلة والخلوة . وما لم يستأنس الروح ، بلذّة ذوق الفتوح ، عند الكشف والوضوح ، لم يقدر على ترك حبّة ، ولا يهون عليه بذل حبّة . وإنّما الأنس محا من قلوبهم حبّ ما
هامش
( 1 ) فبقوا ، في الأصل : فبقيوا .
( 2 ) عمي ، في الأصل : أعمى .
( 3 ) بعض المشايخ : هو رويم بن أحمد المتوفّى سنة 303 ه / 915 - 916 م ، انظر طبقات السّلميّ ، تحقيق شريبة ، 183 ، وتحقيق بيدرسن ، 173 ، وحلية الأولياء 10 : 297 .
( 4 ) بذل ، في الأصل : يدل .
( 5 ) انظر أيضا اللّمع 263 / 16 - 18 ؛ عوارف 57 / 2 - 3 .