والمشاهدات ، لأنّه وجد من مقام افتقاره إلى اللّه لذّة معرفة اللّه ، فاستغرق فيه حتّى فني فيه . فإذا لم يبق منه بقيّة ، اتّصف بصفة البقاء ، فيبقى به ، فأخبر عنه . وإذا أخبر عنه ، فقد تمّ الفقر ، لأنّه أخبر نفسه بنفسه عن اللّه تعالى . لأنّه أخبر عن اللّه باللّه . وإذا أخبر عن اللّه باللّه ، فقد أوصله الفقر إلى اللّه ، لأنّ ثمرة الافتقار إلى اللّه هو الوصول إلى اللّه . ومن وصل إلى اللّه أخبر عن اللّه تعالى . وإذا أخبر عن اللّه فقد تمّ الفقر باللّه .
وتمام الفقر باللّه أن لا يبقى افتقار . ومن لا افتقار له في كل حال فهو اللّه . فليس هذا من صفات الخلق ، لأن صفة الخلق دوام الافتقار إلى اللّه .
فالمفتقر إلى اللّه عمّا سوى اللّه ، هو المستغني باللّه عمّا سوى اللّه . فلا حاجة لهم إلّا إلى اللّه ، وذلك لعلوّ هممهم ، وصفاء قلوبهم ، وطهارة أسرارهم . تركوا الدنيا فعوّضهم اللّه ذخائر الآخرة ، فلم يشتغلوا بها ولم يلتفتوا إليها ، فعوّضهم عنها دوام الأنس به ، ودوام النظر إليه ، ودوام الوقوف معه . وليس أنسهم مع اللّه ، إنّما أنسهم مع الحال الذي لهم مع اللّه . وليس نظرهم إلى اللّه ، وإنّما نظرهم إلى شاهد اللّه ؛ وليس وقوفهم مع اللّه ، إنّما وقوفهم مع أمر اللّه « 1 » . فهؤلاء في طلب الطلب للّه إلى أن يصيروا من حزب اللّه « 2 » وفقراء اللّه ، الذين
قال ، عليه السلام ، في حقّهم : « ربّ أشعث
هامش
( 1 ) قارن بختم الأولياء ص 117 حيث يقول : « والأولياء عندنا على صنفين : صنف أولياء حق اللّه ، وصنف أولياء اللّه ، وكلاهما يحسبان أنّهما أولياء اللّه » ؛ وأيضا بسيرة الأولياء ص 2 / 4 - 5 باختلاف بسيط .
( 2 ) حزب اللّه : قارن بالآيتين الكريمتين التاليتين :« فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ » ،القرآن الكريم 5 / 56 ؛« لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ-