مقام الافتقار إلى اللّه ، أن يسأل من اللّه غير اللّه . إذ ( إنّ ) ذاك السؤال للغنيّ « 1 » باللّه .
فالغنيّ باللّه جائز أن يسأل من اللّه غير اللّه ، لوجود الإذن في مصالح الخلق .
أمّا المفتقر إلى اللّه ، إن سأل من اللّه غير اللّه ، فقد خرج من طلب ما يعنيه إلى طلب ما لا يعنيه ، وبذلك يوشك أن يطرد ويمقت ويحجب . إذ في حكم الحقيقة : كلّ من سأل من اللّه غير اللّه ، وهو مفتقر إلى اللّه ، فقد أشرك ، لأنّ في نظره ليس إلّا اللّه ، وفي خاطره لا يقع إلّا اللّه ، وعلى لسانه لا يجري إلّا اسم اللّه ، وفي قلبه لا يوجد إلّا حبّ اللّه ، والقلب مستغرق في اللّه .
فكيف يعلم أنّ في الوجود غير اللّه ، وقد أنساه اللّه جميع ما سوى اللّه ؟ فهو الناسي لما سوى اللّه ، الفاني في اللّه أينما كان . فهو مع اللّه ، وهو لا يغيّر عن الطلب للّه . لأنّ مقام افتقاره هو الشرب من شواهد اللّه . فهو في مقام الشرب ، لا في مقام القرب . والشواهد من وراء أستار البهجة . فهو السائر إلى اللّه ، الواصل إلى مقامات تجلّي الصفات . ومقامه في تجلّي الصفات ، مقام الافتقار إلى الموصوف ، المستغني عن جميع الشواهد والكشوف . فهو حقيقة الافتقار إلى اللّه .
ومعنى حقيقة الافتقار إلى اللّه هو أن يستغني عن وجود الناس . وأمّا معنى الاستغناء باللّه على الحقيقة ، فهو أن يغني الناس بهمّته ودعائه . وقد قال بعض الكبار : « إذا تمّ الفقر فهو اللّه » . وهو انتهاء قدم الافتقار إلى اللّه ، في طريق اللّه ، ممّا سوى اللّه ، إلى اللّه ، ليصبح الاستغناء باللّه .
فالفقر التامّ ( 10 آ ) هو أن يصل المفتقر إلى اللّه من طريق السلوك والذوق ، إلى أن لا يعجبه ولا يعوقه ، ولا يلذّه ولا يحجبه جميع الأحوال
هامش
( 1 ) للغنيّ ، في الأصل : الغني .