تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة الطائفة ( ويليه صوم القلب ) — صفحة بهجة الطائفة 34

مساهمون:

صبهجة الطائفة ٣٤
الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
( القرآن الكريم 17 / 1 ) ، أسراه ليلا ، وحيّاه نيلا ، وسمّاه عبدا لاستكماله في العبوديّة ، ولأنّ العبوديّة تقتضي المسكنة . فلمّا عرف ما سوى مسكنة النبوّة عند العزّة سأل ربّه جلّ وعلا أن يحشره في زمرة المساكين من الأنبياء والمرسلين ، والالتحاق بهم وبمسكنتهم ، وقوله : « أحيني مسكينا » كقول سليمان ( بن داود ) ، عليهما السلام : « مسكين جالس مسكينا » ، فأظهر من نفسه شرط المتابعة ، كما قيل له :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
( القرآن الكريم 46 / 35 ) . وصبر أولي « 1 » العزم من شدّة التمسكن والانكسار للّه تعالى ، فكأنّه قال ذلك : أي أجبني على سنّة مسكنة الأنبياء . لأنّ مسكنة الولاية لأمّته ، ولم يكن له أن يسأل من اللّه ما هو دون مقامه ومرتبته إلّا لأجل التواضع . المعنى ( 9 آ ) الثاني : قال ذلك على سبيل الإشارة ، واللفظ يقتضي الاحتراز من فتنة الأنانيّة . فلو قال : « احشرهم في زمرتي » لكان ذلك قول الآمن ، لا قول الخائف ، والعصمة حافظ له من قول الآمنين ، من مكر اللّه . فقوله قول الخائفين ، وقد قال : « أنا أعرفكم باللّه وأشدّكم له خوفا » « 2 » . والمراد له من ذلك حشر الأمة في زمرته ، فأخرج اللّفظ على سبيل إظهار التواضع بين أصحابه ليسترشدوا ويهتدوا فيعرفوا ما مقدار المسكنة عند اللّه تعالى ، وليكونوا في القدرة بصفة المقتدي ولينزل المنتهي بطريق التفهيم والتعليم إلى درجة المبتدئ . وإذ كان هو ، صلوات اللّه عليه ، شفيعا للأمة هاديا لهم رؤوفا رحيما بهم في الدنيا والآخرة لم يجز أن يكون « 3 » هو ، عليه السلام ، في زمرتهم ، بل هم كلّهم في زمرته ، حتّى الأنبياء والمرسلين ،
هامش
( 1 ) أولي ، في الأصل : أولوا . ( 2 ) انظر أيضا صوم القلب ، فصل 13 ، ص 33 / 3 . ( 3 ) لم يجز أن يكون ، في الأصل : لم حران لون .