فهو يعبد اللّه لأجل اللّه ، ولم يطلب من اللّه سوى اللّه . فهو المسكين عند الخلق لعدم ماله ، ذو التمكين عند الحقّ لوجود حاله . فهذه علامة من تحقّق في مسكنة الولاية ، وذاق من شجرة مثمرة مسكنة النهاية « 1 » .
فمسكنة أهل البداية ثقل ومجاهدة ، لأنّها خصّت بثمرات الأعمال .
ومسكنة أهل النهاية نزل « 2 » ( 8 ب ) ومشاهدة ، لأنّها خصّت بثمرات الأحوال .
فمن تحمّل في البداية ثقل المسكنة مع لذّة الذوق في الأعمال ، وصل إلى مسكنة النهاية والكمال ، بوجدان لذّة ذوق التحقيق في الأحوال . فمسكنة أهل النهاية والمشاهدة والأحوال تحقّقا في التصاريف ، ورفعا للكلف من التكاليف . فخدمته بالراحة والاستراحة وعبادته بالمعاينة والزيادة .
وذو المسكنة والأحوال محمول ، فلأجله هو حمول ، لا عجول . إذ كلّما حمل من التكليف ، قوبل بالتّخفيف ، لأنّه قوي بالأفضال ، فكفي عن وجدان ثقل تحمّل الأثقال ، فورث من المسكنة والاستكانة ، غاية الرفعة والقربة والمكانة . فثمرة مسكنته من شدة عرته « 3 » أن يجد من اللّه عزّ وجلّ دلائل تخصيص العنديّة ، كما قال اللّه تعالى :
« أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي »
« 4 » . لأنّ حقيقة التمسكن هو غاية الانكسار ، وثمرة الانكسار على الحقيقة : العنديّة .
فهذه « 5 » شرف مسكنة الأولياء ، لأنّ شرف مسكنتهم من شرف مسكنة الأنبياء ، إذ تخصيص مسكنة النبوّة من العزّة ظاهر بقوله عزّ وجلّ :
سُبْحانَ
هامش
( 1 ) شجرة . . . النهاية ، كذا ، ولعلّ الأصحّ : من ثمرة شجرة مسكنة النهاية .
( 2 ) النّزل والنّزل هو ربع ما يزرع ، أي زكاؤه وبركته ؛ انظر لسان العرب ، دار صادر ودار بيروت ، 11 : 659 ، مادّة : نزل .
( 3 ) من شدّة عرته ، أو : من شدّة عزّته .
( 4 ) قارن بصوم القلب ، فصل 12 ، ص 30 / 19 .
( 5 ) فهذه ، يعني : العنديّة .