بجنانه . لأنّه كما تعرّف بالمعرفة قلب العارف ، تعرّف أيضا كلّ جزء منه .
لأنّ المعرفة تحيي القلب ، وبحياته حياة « 1 » جميع الجسد . وكلّ حيّ ناطق بحسن نطقه . فمن استولت « 2 » عليه حكم المعرفة والحقيقة ، حفظ من خلط « 3 » الطبيعة . فنطقه بلسانه عند ورود الوارد في القلب . فلا ينطق بعادة بل بفائدة وحكمة ، كما ورد في الخبر :
« إذا زهد أحدكم في دنياه فاقتربوا منه فإنّه بلغ الحكمة »
« 4 » . وهذا معنى الخبر الثاني
« الصمت حكم »
أي سبب للحكمة
« وقليل فاعله »
. فعند الاستقامة لأهل الصّفوة لا فرق بين ألسنتهم وقلوبهم ، إذ لهم من اللّه أمر وإذن ووحي بواسطة رسول الإلهام إلى القلب من الربّ . فمتى استقام اللسان في الحقيقة نطق عن القلب ، كما قال اللّه تعالى في حقّه ، عليه السلام :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
( القرآن الكريم 53 / 3 - 4 ) .
فمتى استقام اللسان والقلب في الشريعة نطق بالعلم والعمل . ومتى استقام القلب في الحقيقة نطق بالحكمة والمعرفة . فكما ينطق لسان العالم بإذن العلم ، كذلك ينطق لسان الوليّ ( 5 ب ) عن إذن قلبه ، وقلبه بإذن ربّه .
فمهما كان القلب في التربية والسّير ، ( كذلك ) كان الغيب على القلب حاكما ، والقلب على اللسان حاكما . فإذن القلب من الغيب ، وإذن اللسان من القلب .
هامش
( 1 ) حياة ، في الأصل : حيات .
( 2 ) استولت ، في الأصل : استوله .
( 3 ) خلط ، في الأصل : حلم .
( 4 ) قارن بالحديث الذي انفرد به ابن ماجة :
« إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدا في الدنيا وقلّة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة »
سنن ابن ماجة ، تحقيق عبد الباقي ، زهد ، حديث رقم 4101 ، والمعجم المفهرس 1 : 491 تحت : حكم .