عليهم من أجل العزيمة والطمأنينة . لأنّ اللّه عزّ وجلّ ، لمّا شرّف القلب بالأحوال ، شرّفه بالقوت الحلال . إذ لا يليق بمن يأكل من موائد الغيب ، أن يأكل من موائد الشّبه والرّيب . فكما أعطي القلب بسبب الأحوال ، أعطي الأحوال بسبب الحال . وإنّما خلع على القلب بالأحوال ، ثمّ بالطّلف « 1 » من الحلال ، لأنّه صام لأجل اللّه عمّا سوى اللّه ، واشتغل بذكر اللّه عن ذكر ما سواه ، فجازاه بما يحبّه ويرضاه . إذ من ترك لأجل اللّه هواه ، ملك من اللّه رضاه ، فكفاه العبادة شغلا ، والصوم عمّا سوى اللّه عملا وفعلا .
فأوّل الأمر الصوم عن الدنيا وما فيها . وهو الخروج من التسبّبات والأسباب ، على شرط سرّ
قوله ، عليه السلام : « كفى بالعبادة شغلا »
« 2 » ، ومعناه : أنّ من جعل له العبادة شغلا ، جعل لقلبه في العبادة شغلا : وهو الذوق والمشاهدة . ( ف ) أغناه وكفاه ذلك عن الأسباب والاكتساب .
لأنّ العبادة من أجلّ الحرف والصناعات ، لما فيها من الثمرات .
والمشاهدات . فمن ذاق من ثمرة كسبه من عبادات ، قطعه ذلك إلى اللّه وأشغله باللّه ، فصار بما يأتيه من كسب عبادته مستغنيا عن « 3 » كسب الدنيا :
من شرقها إلى غربها . وقد قال أبو الدرداء « 4 » : « ما يسرّني أن أكسب كلّ يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل اللّه » فقال : « ولم ؟ » قال : « يشغلني عن
هامش
( 1 ) الطلف : يعني « العطاء » .
( 2 ) قارن بالحديث : « إنّ في الصلاة شغلا » ؛ المعجم المفهرس 3 : 146 .
( 3 ) عن ، في الأصل : من .
( 4 ) أبو الدرداء : هو عويمر أو عامر بن زيد بن قيس بن عائشة بن أميّة بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث ؛ اختلف في اسم أبيه ؛ توفّي حوالي سنة 32 ه / 652 م في دمشق ، حيث يوجد قبره وقبر زوجته أمّ الدرداء ، انظر دائرة المعارف الإسلاميّة الجديدة ، النسخة الإنجليزيّة ، 1 : 113 - 114 .