المشاهدة ، التصرّف للقلب . ألا ترى كيف قال ، ( عليه السلام ، ) في عمل المشاهدة :
« يا وابصة ، استفت قلبك ، وإن أفتاك المفتون »
« 1 » .
لأنّ لعمل القلب علما باطنا خفيّا . من كان الغالب عليه الأحوال ، فالحكم عليه للعلم « 2 » الباطن ، والفتوى فيه للقلب . فإن كان القلب في العمل في هذا المقام ، فقلبه في العمل من تصرّف الغيب باب مفتوح ، وإليه من تصرّف الغيب وارد علم من علم الحقيقة . فلمّا قال للرسول ، عليه السلام ، أجابه من مقام أهل العزيمة ، وقال :
« استفت قلبك »
. ولم يحله إلى حكم ظاهر الفتوى والرّخصة ، بل أجابه على باطن الفتوى والعزيمة ، فقال :
« جئت تسأل عن البرّ والإثم : فالبرّ ما اطمأنّ إليه القلب ، والإثم ما حاك في نفسك »
« 3 » . ولأنّ قلبه كان مخصوصا بنزول وارد الحقّ ، محلّا لقذف العلم القلبيّ الذوقيّ ، فمن أجل ذلك أحاله إلى استفتاء القلب . وهذا سبيل كلّ سالك من البداية إلى النهاية : لا يعوّل على فتوحه حتّى يعرضه على دليله ، كما فعل وابصة .
الفائدة الثانية ، أنّه إذا كمل القلب ، ووصل إلى حدّ الكمال ، يجب
هامش
( 1 ) انظر بهجة الطائفة ، فصل 20 ، ص 88 / 13 ، حيث جاء : ولهذا قال ، عليه السلام : « استفت قلبك » ، ثم قارن بالمعجم المفهرس 5 : 68 حيث جاء : « يا وابصة استفت نفسك / استفت قلبك » . وابصة : هو أبو سالم - ويقال أبو الشعثاء ويقال أبو سعيد - وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث بن مالك بن الحارث الأسديّ ، أسد خزيمة ، وفد على النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، سنة تسع للهجرة ، ثمّ رجع إلى بلاد قومه ، ثمّ نزل إلى الجزيرة ، انظر تهذيب التهذيب للعسقلانيّ 11 : 89 .
( 2 ) للعلم ، في الأصل : للقلم .
( 3 ) قارن بمسند أحمد ، مسند الشاميين ( ترقيم العالمية ) 17313 و 17315 و 17320 ، ثم بسنن الدارمي ، بيوع ( ترقيم العالمية ) 2421 .