والمآب . فلهم في العبادات البدنيّة مشاهدات قلبيّة ، ولذّات علويّة ذوقيّة .
ولقلوبهم مع اللّه أحوال غيبيّة ، وكلمات إلهاميّة . ولهذا قال سيّد المرسلين ، في ( 2 ب ) حقّ ثمرات أعمال المحقّقين :
« الجمعة حجّ المساكين »
. فلأن نلمس من غرائب هذا الخبر ، على شرط غوص الطالبين المحقّقين ، في طلب استخراج أسرار كلمات رسول ربّ العالمين ، بطريق وقوف الذهن على باب القلب ، ووقوف القلب على باب الربّ .
قيل : فما باب القلب ؟
قال : عزل تصرّف الحواسّ ، عند حصول الالتماس ، لنيل وارد الاستئناس ، في مقام الإنابة ، بالتكلّف والتلطّف ، إلى أن يصير الحسّ قلبيّا .
وقال أيضا : باب القلب وجدان لذّة الذّكر .
قيل : فما الإنابة ؟
قال : صحّة الإصابة ، وسرعة الإجابة ، لثمرة التوبة ، بصحّة الرجعة ، إلى إجابة من دعاه بالهيبة والمهابة ، والذلّة والكآبة . قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
( القرآن الكريم 8 / 24 ) .
والناس في الإنابة والاستجابة ثلاثة ، كما ذكرهم اللّه :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
( القرآن الكريم 35 / 32 ) .
فالظالم من يبطل الإرادة بالمشعرة . إذ ليس لأهل الإرادة مشعرة ، كما قال اللّه تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ
( القرآن الكريم 3 / 59 ) « 1 » . والمقتصد من يجعل الإرادة بحدّ القوّة . والسابق من أجاب من غير تدبّر ولا تفكّر لداعي اللّه ورسوله ، فسبق أهل التدبير في كلّ أمر ونهي وترك ، وفعل . فليس لداعي اللّه ورسوله إلّا الانقياد ، وصحّة الاعتماد .
هامش
( 1 ) فإذا ، في الأصل : وإذا .