القوم في الحلال والحرام محبوب القلب والنفس . وذلك من مادّة الحقيقة عند انكشاف أنوار البصيرة . فصار عندهم الأعمال ظاهرا وباطنا . لأنّهم لمّا حفظوا لوازم الشرع في الأعمال ، ودقّقوا النظر في طريق طلب له أحوال ، كشف اللّه لهم عن باطن أسرار الأحكام ، وعرّفهم علوم الآفات ، وجعلهم من علماء المعاملات ، ( و ) حصل لهم في الأحكام تصرّف ونظر ، ( 13 آ ) فما من حكم من أحكام الشرع إلّا ولهم فيها باطن وحقيقة وأسرار ، فالصوم « 1 » عندهم كذلك ، إذ لهم « 2 » صوم وحقيقة صوم . فالصوم هو الواجب الشرعيّ على ظاهر العبد وباطنه .
وحقيقة الصوم هو صوم القلب ، وهو عبارة عن التزام طلب مطلوب واحد ، وهو اللّه تعالى . فإذا صام لأجله عن جميع ما سوى اللّه ، شاهد بقلبه اللّه « 3 » ، ولأجل ذلك حفظ اللّه قلوبهم عن الآثام الباطنة . إذ ( إنّ ) قلوبهم محلّ نظره ، وموطن أنسه . وكما حفظ قلوبهم عن الآثام الباطنة ، حفظ جوارحهم عن الآثام الظاهرة .
فالقلوب متفاوتة ، وصوم القلوب متفاوت ، ومعاصي القلوب متفاوتة .
وسنذكر تفاوت القلوب في ثلاثة أصناف من أهل الحقيقة : أهل الإرسال ، وأهل الأحوال ، وأهل الأعمال .
( صوم قلوب أهل الإرسال ) :
فقلوب أهل الإرسال من الأنبياء أقرب وأرقّ وأصفى وأصلب .
وأقرب إلى اللّه لتقدّمه موجودا في علم اللّه على سائر الموجودات . كما
هامش
( 1 ) فالصوم ، في الأصل : فلصوم .
( 2 ) من كلمة « وحقيقة » إلى « لهم صوم » أضيفت في أعلى الصفحة وكتبت بالمقلوب .
( 3 ) اللّه ، في الأصل : للّه .