فالاستقامة بموجب العلم أن لا ينطق إلّا بإذن العلم ، فيما له فيه « 1 » الإذن ، صامتا ساكتا عن أن ينطق بهواء نفسه البتّة ، ما دام هو في تصرّف العلم . فإذا جاز إلى تصرّف القلب ، فيصير بابا مغلقا للقلب ، لا ينفتح إلّا بإذن القلب . قال بعضهم : كنت ثلاثين سنة يسمع لساني من قلبي ، ثمّ صرت ثلاثين سنة يسمع قلبي من لساني « 2 » . مثاله مثال التعلّم في حضرة العالم : ما دام العالم يتكلّم فهو المصغى إليه ؛ فإذا سكت العالم ، نطق المتعلّم . كذلك حكم على اللّسان بالسكوت . ولمّا كان القلب في تربية الاستقامة ، قيل « 3 » للّسان : اصغ إليه لتستقيم . فلمّا حصل له الاستقامة ، قيل للقلب : اصغ إليه .
ومثله مثل الصبيّ ، يصغي إلى أستاذه ليسمع منه ما يتعلّم . فإذا تعلّم ، أصغى إليه الأستاذ ليسمع منه ما حفظ .
فصل ( 10 : نوع ثالث من الاستقامة )
وفي الاستقامة نوع ثالث ، وهو أن لا ينطق إلّا عند إجازة النطق .
وجواز النطق له شيئان « 4 » : أحدهما بإشارة العلم ، والثاني بإشارة الحال . ولا يجوز له الحال إلّا بعد التحقّق في السكوت ، وهو أن لا يبقى في اللّسان صفة يكرهها القلب . فإذا تكلّم بإذن القلب ، فعلامته أن لا ينطق إلّا عن حال ، ولا يعبّر « 5 » إلّا عن مشاهدة ، ولا يخبر إلّا عن فعل وذوق ، فيسلّم إليه ( 11 ب ) التكلّم . ويجوز له الكلام ، عند استقامة اللّسان . وإذا استقام
هامش
( 1 ) فيه ، أضيفت في الهامش .
( 2 ) « . . . ومكثت عشرين سنة لا يسمع لساني إلا من قلبي ، ثمّ حالت الحال فمكثت عشرين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني » ، التعرّف لمذهب أهل التصوّف 115 .
( 3 ) قيل ، في الأصل : وقيل .
( 4 ) شيئان ، في الأصل : شيئين .
( 5 ) يعبّر ، في الأصل : يغيّر .