فصل ( 4 : في أنّ الصيام ثلاثة أنواع )
والصيام ثلاثة أنواع : نوع للبدن ، ونوعان للقلب .
فالأوّل من صيام القلب خصّ بالثمرات واللذّات ، ترد إليه من دوام الذّكر والفكر ، من اللّه ، في مقام المحاسبة . وفطور هذا الصوم على الإنعام .
ومعنى الإنعام : وجدان اللّذات والمؤانسات . وصاحبه من خواصّ العبيد .
فصومه صوم الخصوص .
الثاني من صوم القلب خصّ بالمشاهدات والواردات . ففطوره على الإلهام ، لأنّه في مشاهدة الحالات ، في مقام الاقتراب . وقد قال اللّه تعالى :
« الصوم لي ، وأنا أجزي به »
« 1 » . وكلّ الصيام له ، كما أنّ كلّ العبيد له . بل له عبيد على التخصيص والاقتناء ، هم أقرب إليه ، وأرفع عنده من سواهم .
كذلك له من الصيام صوم هو منحة من منحه وهديّة من هداياه ، إلى الأخصّ من عبيده . وصاحب هذا الصوم من أخصّ العبيد ، فصومه صوم خصوص الخصوص . فمن عبد صوّمه اللّه بهذا الصوم ، فقد أدخله في حقيقة العبوديّة ، وارتضاه عبدا ، واقتناه حرّا ، وتولّاه خلّا ، وخلع عليه بخلعة أهل المزيد والإلهام . لأنّ سرّ قوله عزّ وجلّ :
« الصوم لي »
يقتضي فيه سرّا خفيّا ، كأنّه يقول : إنّ في الصوم ( 8 آ ) سرّا هو لي ، لا يطّلع عليه غيري ، من رزق ذلك الصوم ، جازيته بالقرب .
« وأنا أجزي به »
معناه : كما أفرد لي سرّه ، وأخلى لأجلي قلبه ، وجعلني قصده ، فإنّ جزاءه : بأن أقرّبه ، واقترب منه ، وأسرّ في
هامش
( 1 ) المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 1 : 346 ، تحت جزي وانظر صحيح البخاري ، د . البغا ، توحيد 7054 و 7100 وكذلك مسلم ، عبد الباقي ، صيام 1151 وابن ماجة ، عبد الباقي ، صيام 1638 ، أدب 3823 .