3 / 41 ) . وقول مريم :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( القرآن الكريم 19 / 26 ) . وإنّما فائدة صوم القلب أن لا يكلّم إنسيّا بلسانه .
( و ) لأنّ اللّسان ترجمان القلب ، بل باب القلب ، وجب في صوم القلب غلقه واستكانه في عالم الأجساد ، إذ الكلام مع الإنس ينافي صوم القلب ، إذ القلب من « 1 » عالم الأمر ، وإنّما صام في عالم الأجسام ( 5 آ ) عن الكلام مع غير جنسه ، لحصول الكلام مع أبناء جنسه من الروحانيّين ، والملائكة المقرّبين . وذلك غير قادح في صومه ، بل ذلك فائدة صومه . ألا ترى في شرط مريم كيف قالت :
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( القرآن الكريم 19 / 26 ) ؟
وذكر الامتناع عن الضّدّ إباحاة المباسطة مع الجنس ، إذ لا يتأتّى بين الجنسين مسافة للعبادة كما يتأتّى بين القلب والملائكة - هذا إذا كان القلب في مقام العزلة عن الناس . إذ الناس أضداد عند القلب بالإضافة إلى الملائكة . فأمّا إذا كان القلب في قطع عالم الوجود ، فإنّ صومه العزلة عن الناس ، وترك الكلام معهم . فإذا قطع مسافة عالم الإنسان ، فإنّ المصاحبة مع أجناس العلى ، وذلك من أجناس ما هو بصدده من مطلوبه . وصوم قلبه حتّى ينتهي أيضا سيره في عالم العلى . فإذا قطع عالم الأرواح والملائكة ، فهناك تعيّن له وعليه العزلة عمّا سوى اللّه . فيكون صوم القلب فيه صوما عما سوى اللّه ، لشهود اللّه . ورؤية « 2 » ما سوى اللّه يقدح في صومه في هذا المقام ، إلى أن ينتهي حاله « 3 » ، فيكون للّه باللّه ، أي مع الخلق باللّه ، ومع الحقّ للّه .
فحينئذ صوم قلبه لا نقص يتطرّق إليه ، لاستيلاء حكم قلبه على جميع حواسه : من عقله وعمله وطبعه ونفسه وشهوته ، وحكم اللّه مستول على
هامش
( 1 ) من ، في الأصل : في ، ثمّ صحّحت في الهامش .
( 2 ) ورؤية ، في الأصل : ورئة .
( 3 ) حاله ، في الأصل : حالته .