كان حقّ التقوى عجز عنه الخصوص ، ولم يطيقوا تحمّله « 1 » - وهو أمر من اللّه تعالى - حتّى نزل قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
( القرآن الكريم 64 / 16 ) . فكيف يطيق « 2 » حمل حقّ المعرفة أحد ، و ( هو ) ليس بأمر ؟ وقد نفى حصول ذلك رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، من نفسه وغيره .
(
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
) أي : خافوه حقّ المخافة ؛ ( أي ) : أن لا يخاف غير اللّه . ومخافة كلّ ما سوى اللّه ( تعني ) ، كما ورد في الخبر :
« من خاف اللّه خافه كلّ شيء ، ومن خاف غير اللّه خوّف ( ه ) اللّه من كلّ شيء »
. وأمّا حقّ الاجتهاد ، فهو أن يذوق من لذّة ثمرة مجاهدته ، وجدان الأنس مع اللّه بمشاهدته .
وأمّا حقّ التوكّل ، فهو أن يفنى عن علمه وجود كلّ شيء سوى اللّه ، حتّى أن ينسى وجوده مع جملة الأسباب والمسبّبات ، لأنّ استغراق الهمّة في عالم العلى أذهله عن غير اللّه .
وأمّا حقّ الحياء فهو أن لا يغفل عن مراقبة اللّه طرفة عين ، بل يرى معه رقيب الحقّ أينما كان ، وحيثما كان . فلا يوافق نفسه في نهي ، ولا يخالف ربّه في أمر .
فصل ( 33 : في النبوّة والولاية )
فإن قيل : ما الفرق بين النبوّة والولاية ؟ « 3 » فيقال : النبوّة أوّل مقام عند العزّة ، والولاية آخر مقام بعد النبوّة ، ويقال : ( 42 آ ) النبوّة غصن من
هامش
( 1 ) تحمله ، في الأصل : لتحمّله .
( 2 ) يطيق ، في الأصل : يطلق .
( 3 ) قارن بسيرة الأولياء ص 46 / 9 - 10 ، مع أن الجواب هناك يختلف تماما .