لا تسلّط عليه للشيطان ، ولا نفس له ، فلا خوف عليه من غير اللّه . لأنّ اللّه حافظه ومتولّيه . كما قال اللّه تعالى ( 36 آ : ) :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
( القرآن الكريم 7 / 196 ) .
وفي الحقيقة : الحرّ من تمّ مراده من اللّه ، فلا مراد له إلّا مراد اللّه .
والعبد مراده من اللّه ، وهو في طلب مراده . وسمّي حرّا عن الطلب ، وسمّي عبدا بوجود الطلب . وقيل : الحرّ وصل إلى اللّه ، وحصل باللّه . والعبد في طلب اللّه ، وفي طلب أن يكون للّه . وقيل : الحرّ من تمّم العبوديّة ، والعبد من هو في إتمام العبوديّة . وقيل : الحرّ هو من في حكم الربّ ، لا تصرّف عليه للنفس ، والعبد من هو في حكم الربّ ، وعليه تصرّف النفس . فتكون الحرّيّة عبارة عن حصول الأمن من جميع الموبقات المهلكات .
والحرّ من لم يبق له في الأشياء ضدّ ؛ بل عنده بقوّة حاله كلّ ضدّ لغيره ، يستأنس له . فهو لا يستوحش من مخوف ، ولا يستأنس إلى محبوب .
لا تسترقّه رهبة ، ولا رغبة ، ولا طمع ، ولا جزع ، ولا يستوحش منه شيء ، ويستأنس به كلّ حيّ .
ومن تحقّق في الحرّيّة : فقبضه يسع بلوى الخلائق ، وبسطه تستغرق فيه أحمال أثقال « 1 » الخلائق . لأنّ أكثر مقامه في العلى ، وفراغه « 2 » أكثر من اشتغاله بأمور الدنيا . لا بقيّة عليه من العبوديّة ، ولا معيّة معه من البشريّة .
فني منه تحكّم الحقوق عليه ، كما فني منه تحكّم الحظوظ عليه . فالحقوق جار « 3 » عليه ساع « 4 » إليه ، لتحصّنه في مقام الأمن من الآفات بالولايات . كما قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ
هامش
( 1 ) أثقال ، في الأصل : انقاق .
( 2 ) وفراغه ، في الأصل : وفراغته .
( 3 ) جار ، في الأصل : جاري .
( 4 ) ساع ، في الأصل : ساعي .