من جميع ما سوى اللّه : عبوديّة محضة للّه تعالى . لأنّ كلّ من له مراد فهو عبد مراده .
والحرّيّة عبارة عن زوال الخوف من غلبة النفس على العبد ، كيلا تسلبه من الحقّ . فمن أمن من غلبة النفس فهو حرّ . لأنّ اللّه أدخله في حصن حفظه ، وأعتقه عن حفظ نفسه بنفسه لنفسه . فهو حرّ حيث لم يبق لنفسه عليه مطالبة . بل لا نفس للحرّ . لأنّ نفس العبد في العبوديّة ، مقيّد محبوس معزول « 1 » . فعليه الخوف من النفس ، من أجل أن لا يصير مطلقا مسلّطا عليه . وأمّا نفس الحرّ فهي في الحرّيّة مسلمة مطمئنّة مؤمنة راضية مرضيّة « 2 » ؛ لا تأمر إلّا بالخير ، ولا تنهى إلّا عن شرّه « 3 » . فالحرّ ، له من النفس والشيطان أمان . لأنّ اللّه يقول :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
( القرآن الكريم 15 / 42 ) .
والحرّ هو العبد على الحقيقة « 4 » . فمن أجل أنّ اللّه بدّل صفات النفس حين كانت أمّارة ، ثمّ صارت لوّامة ، ثمّ صارت مطمئنّة ، فهي على مرادات القلب والربّ . صار لا نفس للحرّ ، لأنّ اللّه صيّر نفسه مؤمنة ، بعد ما كانت كافرة ، راضية ، بعد ما كانت شاكية ، مرضيّة ، بعد ما كانت مسخوطة .
فالحرّ في مقام الحريّة في حفظ الحقّ ، من غير تكلّف منه في المعاندات والمكابدات والمراقبات . لأنّ اللّه قد تولّى حفظه . وحيث
هامش
( 1 ) نفس . . . مقيد محبوس معزول : أحيانا يذكّر عمّار « النفس » وأحيانا يؤنّثها ، كما سيظهر فيما بعد .
( 2 ) مطمئنّة . . . : قارن بما ورد في القرآن الكريم 89 / 27 - 28 :يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . . ..
( 3 ) شرّه : كذا .
( 4 ) قارن بقول ابن عربي : « فالحرّيّة عبودة محقّقة » ، الفتوحات المكيّة ، تحقيق عثمان يحيى 14 : 371 / 9 ، فقرة 287 .