حقّ العبوديّة جهدك ، ليصحّ لك من صحّة العبوديّة فضل الربوبيّة . فمن لا حقيقة له ، فلا عبوديّة على الحقيقة له . فإنّ من سلّم واستسلم طوعا ، لا كرها ، نال ثمرة استسلامه .
وحقيقة الاستسلام أن يكون الحكم لربّك ، لا لنفسك . فلا ترى نفسك إلّا لأجل خدمته . وتستغرق في خدمته وأداء واجباته عن طلب ما لا بدّ لك منه من حقوق نفسك . فإذا سقط عنك رؤية حقّك في أداء حقّه ، وسقط عنك طلب حظوظ النفس بالكلّيّة - بالقلب واللسان والخاطر - كنت له على الحقيقة ، فكان هو لك . فكفاك وأغناك حتّى لا تجد لك شيئا يسأل منه ، إلّا له . وعند سؤالك منه له ، يبدو « 1 » لك من الخجل والوجل ما لم تر « 2 » لنفسك أهليّة في عبوديّته وخدمته . فكيف تر ( ى ) بك أهلا ( 35 ب ) لولايته وقربه . فحينئذ ينقطع السؤال والطلب من العبد في مقام التحقيق في العبوديّة . وهي حقّ من تحقّق في العبوديّة ، قال اللّه جلّ وعلا :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
( القرآن الكريم 39 / 36 ) ، أي : من كان بخدمتي وافيا ، كنت لحقوقه كافيا . كما قال اللّه تعالى :
أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
( القرآن الكريم 2 / 40 ) . فهذا شرط العبد في العبودية ، أن لا يفوته شيء « 3 » من الوظائف ، وهو مع ذلك خائف .
فصل ( 27 ) : في الحرّيّة
مقام الحرّيّة انتهاء العبوديّة . وانتهاء العبوديّة : فذاك المنى والمقصود والمراد .
فالأحرار صنفان : صنف حرّيتهم من النفس وآفاتها ، وصنف حرّيّتهم
هامش
( 1 ) يبدو ، في الأصل : يبدوا .
( 2 ) تر ، في الأصل : ترى .
( 3 ) شيء ، في الأصل : شيئا .