والوقوف على العادات ، والانهماك في الشهوات ، من غير مقدّمة نيّة ، ولا وجدان فائدة ، سوى إشباع البطن « 1 » ، وقضاء وطر النفس . فالإنسانيّة للخصوص ، مخصوصة بالأفعال المعنويّة ، لأنّها محلّ « 2 » لتصرّف حقائق الصفات الربّانيّة .
فالإنسان ( 35 آ ) من له في فعله إمّا وجود نيّة ، أو شهود فائدة . ونيّة الإنسان الكامل في الحقيقة ، وراء ما هو في الشريعة . فمن انحطّ ( ت ) عن درجة نيّة الشريعة والحقيقة أفعاله ، فكثير في الأنام « 3 » أشكاله وأمثاله .
وإن علت على الصفات صفاته ، فرفعت على الأقران درجاته ، غلب عقله شهوته ، ويقظته غفلته ، وعبادته عادته ، وواردات الحقّ إرادته ، وشريعته طبيعته ، واستلبت الحقيقة كلّيّته : فهذا إنسان كامل ، كما قال اللّه تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
( القرآن الكريم 55 / 1 - 4 ) .
فصل ( 26 ) : في حقيقة العبوديّة
لا تصحّ العبوديّة للّه ، وعليك لنفسك حكم . فإنّ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . بل أنت في العبوديّة لربّك ، ما لم تكن لنفسك . وما دمت لنفسك ، لم تكن لربّك . ألا ترى كيف استغاث إبراهيم إلى ربّه بقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
( القرآن الكريم 14 / 35 ) . وكما أنّ عابد الصنم لم يكن من عبيد الحقّ ، كذلك عبيد الربّ لم يكونوا من عبيد النفس .
وحقيقة العبوديّة ما قيّدك بظاهرك وباطنك وخواطرك أمره ونهيه وتصرّفه وفعله . فأنت عبده حقّا ، وهو ربّك لازما . فالزم بدّك « 4 » ، وابذل في
هامش
( 1 ) البطن ، في الأصل : الطن .
( 2 ) محل ، في الأصل : محلا .
( 3 ) الأنام ، في الأصل : الأنعام .
( 4 ) بدّك : البدّ يعني التّعب .