وقالت رابعة رحمها اللّه تعالى : بكيت عشر سنين عن اللّه ، وعشر سنين باللّه ، وعشر سنين إلى اللّه ، فأما ما هو باللّه : فالرجاء به ، وأما ما هو عن اللّه : فالخوف منه ، وأما ما هو إلى اللّه : فالشوق إليه .
وقال بعضهم : دخلت على رابعة البصرية ، فإذا هي ساجدة ، فجلست عندها حتى رفعت رأسها ، فإذا في موضع سجودها ماء واقف من دموعها ، فسلمت عليها ، فردت عليّ السلام ، وقالت : ما حاجتك ؟ قلت : أريد زيارتك ؟ فبكت ، ثم صرفت وجهها عني ، وكانت تبكي وتقول : قرّة عيني ، لا بد لي منك ، فالعجب ممن عرفك ، كيف يشتغل بغيرك ؟ والعجب ممن أرادك ؟ كيف يريد غيرك ؟ ! .
وكان عطاء السلمي - رحمه اللّه تعالى - كثيرا ما يقول في بكائه :
اللهم ارحم انقطاعي إليك ، وإعراضي عن سواك ، وغربتي في بلادك ، ووحشتي بين عبادك ، ووقوفي بين يديك .
وقال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى : بينا أنا في الطواف ، إذا أنا برجل قد تغيّر لونه ، ونحل جسمه ، وهو يبكي ويدمدم مع نفسه ، فدنوت منه ، فإذا هو يقول :
إلهي ! قد استأنست بك قلوب المحبين ، واستراحت إليك قلوب العارفين ، فلا تقطع منك آمال المشتاقين .
قال : فسمعت هاتفا يقول : يا ولي اللّه ! لقد أبكيت السماوات السبع ، أسكت ، فإن لك ما سألت ! .
وروي أن آدم عليه الصلاة والسلام ، لما نزل من الجنة ، بكى حتى نبت من دموعه النبات ، فأوحى اللّه إليه : هذا البكاء على فوت الجنان ، فأين البكاء على ترك خدمتي ؟ ففزع آدم إلى كلمة الإخلاص ، فقال : لا إله إلا أنت سبحانك .
قال اللّه تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 37 ] .
وقال ذو النون رحمه اللّه تعالى : رأيت بمكة رجلا يبكي بكاء العارفين ، فدنوت منه وقلت : ألك حبيب ؟ قال : نعم . قلت : حبيبك قريب أم بعيد ؟ قال : قريب .
قلت : موافق لك أم مخالف ؟ قال : بل موافق لي ، قلت : سبحان اللّه ! فلم تبكي ؟ .
قال : أما علمت أن عذاب القرب والموافقة ، أشد من عذاب البعد والمخالفة .
وحكي أن رابعة - رحمها اللّه تعالى - كانت تمر يوما في بعض طرق البصرة ، فقطرت عليها قطرة من الميزاب ، فسألت عنها ، فقيل : إنها من بكاء الحسن ، قالت :
قولوا للحسن : لو ازددت بالدموع ، حتى تصل للعرش محبة له ، لكان قليلا .