وذم أهل الغفلة بالضحك ، وترك البكاء ، في قوله :
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ
( 60 ) [ النّجم : 59 ، 60 ] .
واعلم أن البكاء بكاء العين ، وبكاء القلب ، وبكاء السر .
فأما بكاء العين ، فهو لأهل المعرفة من المنيبين .
وأما بكاء القلب ، فهو لأهل المعرفة من المريدين .
وأما بكاء السر ، فهو لأهل المعرفة من المحبين .
واعلم أن لأهل المعرفة ، هموما مخبوءة تحت أسرارهم ، مستورة عن أفكارهم ، فكلما هاج من أسرارهم رياح خشية الهيبة ، ومن قلوبهم لهب نيران الأحزان ، أحرقت ما عليها من هشيم الغفلة والنسيان .
درجات البكاء :
والبكاء على خمسة أوجه :
1 - بكاء الحياء ، مثل بكاء آدم .
2 - وبكاء الخطيئة ، مثل بكاء داود .
3 - وبكاء الخوف ، مثل بكاء يحيى بن زكريا .
4 - وبكاء الفقد ، مثل بكاء يعقوب .
5 - وبكاء الهيبة ، مثل بكاء سائر الأنبياء ، وهو قوله تعالى :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
[ مريم : 58 ] .
وبكاء سادس : مثل بكاء شعيب ، ذلك بكاء الشوق والمحبة ، بكى شعيب حتى ذهب بصره ، ثم ردّ إليه بصره ، فبكى حتى ذهب بصره - ثلاث مرات - فأوحى اللّه تعالى إليه : أن يا شعيب ! إن كان بكاؤك من مخافة النار ، فقد أمنتك من النار ، وإن كان بكاؤك من أجل الجنة ، فقد أوجبت لك الجنة .
فقال : لا يا رب ! ولكن من الشوق إلى رؤيتك .
فأوحى اللّه إليه : أن يا شعيب ! حقّ لمن أرادني أن يبكي من شوقي ، إنه ليس لهذا الداء دواء ، غير لقائي .
ويروى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : لو أن عبدا بكى من خشية اللّه في أمّة ، لرحم اللّه تلك الأمة ببكائه .