المجلس الثاني والعشرون [ في خروج حب الدنيا من القلب ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه بكرة بالرباط سلخ ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة بعد كلام :
سأل سائل : كيف أخرج حبّ الدنيا من قلبي ؟
فقال : انظر إلى تقلبها بأربابها وأبنائها ، كيف تحتال عليهم وتتلهى بهم وتعديهم خلفها ، ثم ترقبهم من درجة إلى درجة حتى تعلمهم على الخلق وتمكنهم من رقابهم وتظهر كنوزها وعجائبها ، فبينما هم فرحون بعلوّهم وتمكنهم وطيبة عيشهم وخدمتها لهم إذ أخذتهم وقيدتهم وغرتهم وأرمت بهم من ذلك العلوّ على رؤوسهم ، فتقطعوا وتمزقوا وأهلكوا .
وهي واقفة تضحك بهم ، وإبليس إلى جنبها يضحك معها . هذا فعلها بكثير من السلاطين والملوك والأغنياء من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة ، بذلك ترفع ثم تضع ، تقدّم ثم تؤخر ، تغني ثم تفقر ، تدني ثم تذبح ، والنادر منهم من يسلم منها ويغلبها ولا تغلبه ويعان عليها ويسلم من شرّها ، وهم آحاد أفراد .
إنما يسلم من شرّها من عرفها واشتدّ حذره منها ومن حيلها . يا سائل إن نظرت بعيني قلبك إلى عيوبها قدرت على إخراجها منه ، وإن نظرت إليها بعيني رأسك اشتغلت بزينتها عن عيوبها ولم تقدر على إخراجها من قلبك والزهد فيها وتقتلك كما قتلت غيرك . جاهد نفسك حتى تطمئن ، فإذا اطمأنت عرفت عيوب الدنيا فيها ، طمأنينتها أنها تقبل من القلب وتوافق السرّ وتطيعهما فيما يأمران به وينتهيان عنه وتقنع بعطائهما وتصبر على منعها .
إذا صارت مطمئنة انضافت إلى القلب وسكنت إليه ، نرى تاج التقوى على رأسه وخلع القرب عليه . عليكم بالإيمان والتصديق وترك التكذيب للقوم والمجادلة لهم ، لا تنازعوهم فإنهم ملوك في الدنيا والآخرة ، ملكوا قرب الحق عزّ وجلّ فملكوا ما سواه ، الحق عزّ وجلّ قد أغنى قلوبهم وملأها من قربه ومن أنواره وكرامته .
لا يبالون بيد من تكون الدنيا ومن يأكلها ، لا ينظرون إلى أولها ، ينظرون إلى